ماذا عن الحداثة ومشروع التحديث؟
لعل خطاب مشروع الحداثة الذي نفترض انه موجود ويتوفر على عناصر بديلة للإنسانية تخرج بها من ارتباط ماضوي بصراعاته و أفكاره القديمة التي يجب تجاوزها الآن، هو مجموعة عناصر تعتبر فرصة تاريخية لخلق مجتمعات أكثر استقرارا وتطورا اليوم و غدا.
فكر الحداثة هذا انطلق في رؤيته رؤية مثالية ترى فيه الصلاحية والعدل والتصحيح للتاريخ ومحاربة الظلم و التخلف... ولكن هل فعلا هذا هو فكر الحداثة؟...نريده بلورة لأسمى ما تصوره الفلاسفة والعلماء و رجال السياسة والتاريخ والاجتماع...ولو أن منطلقاتهم كانت مختلفة، والمصالح التي خدموها قد رأوها أولا وقبل كل شيء في دائرة ضيقة و محصورة ومقتصرة على طبقة أو منطقة في بعض الأحيان...
لن يكون فكر الحداثة في هذا التحليل سوى إرادة التغيير بالصورة المرسومة جزئيا ونسبيا فيما سبق ذكره.
لابد لهذه الإرادة إن تنطلق من الممكن والواقع،مما نستطيع انجازه وتحقيقه في دوائره الصغرى والمتوسطةوالكبيرة.لابد لها أن تتخذ شكل مشروع وتحاول رسم أهدافه ومراحل انجازه وطرق ووسائل تحقيقه..
ولكن لماذا الحاجة إلى تحديث؟ هناك من سيقول إننا ننعم بالإيمان والعبادة والحب لله ،ولازلنا نحتاج لطاعته أكثر وتطبيق أحكامه لكي يخرجنا من واقعنا وضعفنا وتأخرنا،ولكي نفوز بالآخرة و ننجو ون العذاب...
بداية الجواب في انسجام مع ما سبق نقول إن العصر الحالي الذي تعيشه الإنسانية عرف تحولات تاريخية كيفية ونوعية وانتقالات من أشكال تفكير وتنظيم وعيش وحضارة إلى أخرى أكثر تطورا وتغيرا.هذا الوضع الجديد يفرض رسم فكر جديد متلائم معه وغير مضيع فرصة التطور والتقدم.
إن الفكر الديني الذي مَثَل ومثلته القرون الوسطى يحتاج إلى تطوير وتغيير لكي يُمثَل ويمثله العصر الحديث.ولا احد يجادل في التحولات التاريخية الكبرى التي عرفتها الإنسانية خلال القرون التاريخية و الزمنية الأخيرة و عقودها القريبة.
ومعروف أن الإنسان يتصف بالعناد والتعنت والأنانية و التشبث بالقديم وحنين الأجداد والأخبار، وقد عانى الفكر الديني نفسه من عناد هذا الإنسان ولم يستطع اختراقه إلا بصعوبات وتضحيات وتدرج.هذه الحقيقة الموضوعية لا احد ينفيها أو يجادل فيها، وهي سلاح لنا أو علينا، أكنا مع المشروع الحداثي أو ضده.
وكل دين أراد أن يحافظ على استمراريته لابد له أن يجدد آلياته وتصوراته، وإلا فسيستسلم للتاريخ بفكره ومؤسساته و أتباعه ويجعل ارثه ومجاله لديانات أخرى.
في هذا الإطار تأتي شرعية خطابنا بالحديث عن مشروعية تحديث الفكر الديني.وفي هذا الإطار سيتم الحديث عن مشروع تحديث للإسلام كفكر ديني وتصور حياتي.
فهل فعلا الإسلام في حاجة إلى تحديث وتكيف جديد مع معطيات العصر الحديث؟هل الاقتراح مشروع أم مجرد مصيدة وتربص بالدين الثابت والكامل و الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؟
معلوم أن الإسلام محور هويتنا التاريخية والاجتماعية والنفسية والروحية؟ولكنه ليس هو المجال الواقعي الجديد الذي نعيش داخله وفي فلكه. ولا يعني كلامنا انه يناقضه أو يخالفه بل إن تصورنا له كمسلمين هو الذي أصبح يباعده ويفترق عنه نسبيا.
لقد عرف تاريخنا الحديث تجربة مماثلة عاشها مفكرون إسلاميون بارزون.ثار هؤلاء على أوضاع تخلف وجمود وظلام عانى منها التفكير الإسلامي والمجتمع والحضارة الإسلامية، وسمي ذلك العصر بعصر الظلمات. وفعلا فكلما انسدد الأفق وأصبحنا نرسم فلكا مغلقا ومتكررا للحياة والتاريخ،فإننا حكمنا على حركة الحياة بالتوقف وتكرار بدائية الحياة وثنائياتها البسيطة. و عانى هؤلاء المفكرون من رد فعل حراس الجمود والتخلف عن التاريخ ،كالمنقبض في نمو شخصيته الملازم لطفولته الخائف من فقدان حنينها وعيشها رغم كبره وهرمه وشيخوخته، حارقا مراحل الحياة متغافلا لها فهناك من كفر، وهناك من سجن ومن سفه...ولكن الأجيال شرعنت خطابهم ونداءاتهم ووعت بطروحاتهم فبلورتها في مشاريع سياسية واجتماعية وأخلاقية وتربوية..
والآن هل النداء بتحديث الإسلام سيكون مقبولا أم مرفوضا؟وهل القول بعدم صلاحية جملة تصورات وخطابات سيكون صحيحا أم خاطئا؟
لا نبحث عن جواب لانفسنافقط، بل للواقع وللتاريخ والمجتمع...و هذا أمر يُصَعبُ مهمة المعالجة والتحليل... هل المجتمع الإسلامي في حاجة إلى تحديث؟
اذا كانت الحداثة هي مشروع عقلنة ونظام وضبط وتحكم في التسيير ورقي بالمجتمعات الإنسانية و توفير عيش كريم، وحقوق مستفادة وقيام بواجب في حدود المسؤولية وبنزاهة وشفافية ،مع محاربة كل ظلم واستبداد و تجبر واستعباد...اذا كانت الحداثة هي هذه ، فلعل هذا لم يتحقق في التاريخ الإنساني قبل، ولا في التاريخ الإسلامي كذلك...وليأت المخالف بخلاف ما نقول من الواقع الموضوعي والتاريخ الفعلي لحياة البشرية والمجتمعات الإنسانية والإسلامية..ما يفسر أننا بحاجة إلى تحديث العقليات والتحليل والخطاب وبالتبع الممارسة....
كيف نخرج من فوبيا صنعتها الصدمات الكثيرة في تاريخنا ساهم فيها الآخر فينا؟هي الحاجز الرافض بدواخلنا للحداثة والتغيير؟؟؟
ما هو واقع المجتمعات الإسلامية اليوم؟
كثيرا ما تبرر مجموعة من الخطابات شرعيتها برد اللوم على الآخر ،على الاستعمار و على الكافر وعلى الصهيونية والامبرياليةوووو....ولكن ستر و حجب الشمس بالغربال لا ينفع اليوم في هذا السياق.فنحن كمجتمعات إسلامية نجتر تاريخا مليئا بالتخلف والاستعباد والقهر والخوف والاستبداد،بالكبت والجهل والأمية وبرفض التغيير والتطور ..والأمثلة الدالة كثيرة وعريضة...
مع قرارة أنفسنا يجب أن نقر بأننا نعيش الفوضى وسوء التنظيم والتخطيط، وأننا نساهم في انتشار الفقر ومعه فقدان الحقوق و لا نساهم في تحسين وضع الإنسان والرقي به كشخص والسمو به كمواطن وكفرد...فبمجرد أننا نمارس خطابا جبريا وقهريا وزاجرا ومتوعدا فإننا نكرس الخضوع والاستبداد والطاعة في غير مواضعها والاستعباد بأشكاله الراقية الجديدة...
لم نبق الآن مجتمعات رعوية وبدوية وفلاحية فقط..أصبحت فينا تحولات تاريخية بنيوية ،وأصبحت فينا فئات وطبقات نوعية لم تكن بالأمس القريب.
ان المجتمع الإسلامي اندمج في التحولات الحضارية الجديدة وفي الحركة الاقتصادية الحديثة وفي أشكال الحياة اليومية المعيشة الآن.ويجب علينا ان نواكب هذا الاندماج و نجعله أكثر مرد ودية وايجابية واستفادة،ونجعله مساهما ومنتجا وليس مستهلكا وتابعا او رافضا ومتناقضا.
إن التحولات العمرانية والتنظيمية والسكنية والمهنية..جعلت الإنسان يأخذ أدوارا جديدة داخل المجتمع ترتبط بالجهد المبذول والكفاءة المتوفرة والمنتوج المحصول، ولم يعد لتقسيم القبيلة والعشيرة والشريف والوضيع ،والذكر والأنثى، والعبد والسيد،والأمير والخادم...مجال للحديث والتكريس... ارتبطت بهذه التحولات أخلاق جديدة ومسؤوليات محددة ورؤى بديلة عن كل ما سبق.
هذه التحولات لا تعني غياب أشكال سابقة سائدة اليوم.
ولكن لنتساءل ما هو الأفضل:التحرر أم الاستعباد؟الاستقلال ام الاتكال والاعتماد...؟
فهل نفسية المسلم وشخصيته مستعدة لتقبل هذه التحولات والاندماج فيها أم لا؟ إن الفرد المسلم اليوم محاصر بمجموعة من الخطابات والصراعات والأزمات تجعله دائم التوتر، وتسد أمامه آفاق الانفتاح والتطور النوعي .إن الصدمات الحضارية التي يعيشها تبرر له تمسكه بالخطابات الماضوية المتشددة والرافضة للواقع و حتى للمستقبل، الرافضة كذلك لكل محاولات التجديد والتغيير الحداثي الذي يجب أن يكون مجردا في طلبه عن كل انزلاقات التبعية والاستعمار والاستغلال البشع أو الاحتلال الممنهج والتذويب والاحتقار الفظيع لشخصية هذا المسلم من طرف أعداء له في الواقع.ولكن هل طلب التحديث هو قضاء على هذا المسلم وخدمة لهؤلاء الأعداء؟ بالطبع ليس هذا هو المطلوب،إذ المطلوب هو تحديث حضاري مع تحقيق للكرامة واحترام لسيادة الفرد والمجتمع ومقوماتهما الشخصية.وهذا يفترض كما قلنا استعداد المسلم لإحداث التغير في نفسيته وتفكيره أولا،وإقناعه بان التغيرات الحداثية هي تحولات سلمية وتربوية معقلنة لا كما يرى و نرى بها تاريخ الإنسانية. إذ غالبا ما كان تحول الشعوب من دين إلى آخر، ومن نظام سياسي إلى آخر بالقوة والعنف وليس دائما بالاحتكاك والاقتناع.
.
نسجل أن المجتمعات الإنسانية اليوم دخلت مع النصف الأخير من القرن العشرين في حصاد ثورتها العلمية والفلسفية والصناعية الاقتصادية ككل و كذلك التقنية والمعلوماتية،مستفيدة من اكتشافاتها واختراعاتها ومختبراتها إن في المجال الخلوي والوراثي أو حتى في المجال الذري والنووي....
لكن هذا التطور البارز الذي عرفته الإنسانية يجعلنا نفرز طبقات وفئات عن أخرى.إذ من يشارك فيه و يتحكم في سيرورته؟بالطبع المجتمعات الغربية اليوم هي المتحكمة والمساهمة فيه بشكل اكبر.وان كان العالم قد عرف تجربتين حضاريتين ذاتي بعدين فلسفيين وسياسيين:الرأسمالية والاشتراكية...وهما نتاج لسيرورة الحضارة الغربية في تفاعل مع الحضارات الإنسانية ماديا و فكريا..فان الكفة اليوم تميل للمشروع اللبرالي الرأسمالي مع افقه الجديد المتمثل في محاولة العولمة الشاملة لمشروعه السياسي والاقتصادي والإيديولوجي والمصلحي كذلك.مع التذكير بان تجربة الصين لا زالت مستمرة ومنتجة،ولكن بالمقارنة مع الغرب، فان الرقي والتطور عند الفرد الإنساني يلاحظ في الغرب أكثر. وهذا لا يعني الأفضلية والتفوق.فلا ننسى أن ازدهار العالم الغربي بالأمس واليوم وغدا هو على حساب ثروات شعوب و تعبها واستغلالها ماديا ومعنويا.
فهل الحداثة مشروع غربي فقط؟الجواب بنعم قد يجعلنا اطلاقيين،فإما الارتماء في أحضان هذا المستغِل المتجدد الأشكال والتشكلات او الرفض له والانزواء.وفي الحل الأول استسلام وانحلال، وفي الثاني تشدد وابتعاد عن ارض الواقع ومسار التاريخ.
ان الحداثة هي ركوب قاطرة التاريخ ومواكبة محطاتها وتصوراتها والتعامل والاستفادة من مكوناتها وعناصرها،هي جعل التطور إلى الأفضل والأحسن غاية الإنسانية.فكلما استطعنا القضاء على الجهل والفقر،نشرنا العلم والمعرفة والوعي والعيش الكريم.وكلما قضينا على المرض والجوع حققنا سلامة الإنسان وعيشه الكريم كذلك.وكلما وفرنا الحقوق والكرامة والعدالة لهذا الإنسان سحقنا أشكال القهر والاستبداد والاستعباد والظلم والطغيان، وجعلنا الإنسان أكثر تحضرا والتزاما بالقانون وراغبا في العيش السليم...كلما حققنا النظام و حسن التسيير قضينا على الفوضى التي تسود مجتمعاتنا في التفكير والتسيير والإنجاب والإنتاج ومجالات الحياة عامة.
ولعل الحركات الاجتماعية والسياسية المطالبة اليوم بالتغيير وضرورته على المستوى الحقوقي والسياسي والاقتصادي،بإعادة توزيع الثروات بشكل اكثر عدالة،بضرورة إزاحة رموز الاستبداد وتاريخ قهر واستغلال...في تونس كما في مصر كما في غريها من الدول العربية الاسلامية،يعتبر قفزة نوعية نحو مجتمعات أكثر حداثة وتطورا ورقيا واقترابا من مصاف الدول المتقدمة،رغم أن النسبية حاضرة دائما.
إن إعادة النظر في الاقتصاد والسياسة والحقوق والتنظيم المؤسساتي والتشريع القانوني والصياغة الدستورية،إنها كلها لتعتبر المدخل الرئيسي اليوم نحو مجتمعات حداثية.نتمنى النجاح لشعوب الانسانية فيها. فمزيدا من الديمقراطية والفصل بين السلطات والشفافية ودولة الحق والقانون.هي جرعاتنا لولوج الحداثة الحضارية المتقدمة،لا التابعة المستهلكة.