قراءة متسائلة في التحولات السوسيو سياسية لبلد تونس:
في البداية،ما يعطي الشرعية للحق في التفكير والتناول للموضوع،هو الوجدان المشترك الذي يشكله الجوار والتاريخ والثقافة،والمشترك الغزير بين الشعوب والأشخاص المتصاهرة،وبنيات تفكير وشعور وسلوك خارجي سياسي واجتماعي وثقافي.....
تسجل محطة تونس في تاريخ الإنسانية تجربة فريدة في بداية القرن الواحد والعشرين.فما وقع أمر جليل.والجليل من الأضداد يفيد المهم والحقير. والمهم هذه الثورة المدنية التي رمزت ودلت على أن صوت الشارع وصوت المثقف لهما وقعهما.المهم يفيد على أن قلب الأمة لفَظَ عموديا شيئا احتل لسانه وابتلع تغذيته واستغل دماءه.المهم هو انتفاضة شعبية تضامنت معها فئات اجتماعية متنوعة،اخترقت الشوارع والمدن والقرى،كما اخترقت المؤسسات وشلت الحركة،وزادت من الألم لأجل استئصال الظلم الذي سبب آلاما وآلاما،فحرق الجسد وفتح الصدر للرصاصة،وتلقى ضربات العصي والتخويف والرعب بمزيد من الحشد.فزئير المتأسْيِدِ لم يزد إلا صمودا ومواجهة وتحديا وتضامنا...
أما الحقير،فهو سبب ما وقع.الحقير كرامة دست،اقتصاداحتُكر،حقوق هضمت،أصوات عادلة اعتقلت،وما أحقر:هو خطاب من ترجينا فيه عدل الأب،أن يمارس ظلم المتوحش وألفاظ المتنكر المذِل،والمتجاهل للمطالب...
الحقير ثقافة سوسيوـ سياسية وسلوكية غرست أوراما داخل البلاد.انتشرت معها ثقافة استخباراتية مرعبة،زاحفة على الحريات ومهددة لأمانة وعدل القيم التي تعيش بها كل شعوب الإنسانية في الحق في التعبير وحرية الرأي والاختيار....
كان التجسس على وجدان كل تونسي غيمة ملوثة تمطر سموما ساحقة على جهاز تنفس وتفكير وحركة كل تونسي.وما أقبح هذا القبيح الذي هو أمر جليل فعلا.كيف يمارس التجسس على المواطن وقد جعل تاريخيا على العدو.من العدو الآن؟
الحديث عن التحولات السوسيو سياسية،لن ينجح فيه مجرد التفكير وتخمين،إنما معاينة للواقع ومكوناته وحركته وتموجاته وجدليات صراعه ومصالحه فيها،والمؤثرات التي تحدث التغيرات...
التحولات السوسيو سياسية،ستأتي معها توازنات جديدة،سيحكمها مناخ سياسي جديد،التوافق فيه على دستور ومؤسسات وهيئات جديدة.فالساحة السياسية التونسية محكومة بخريطة وتشكيل خاص بها.
ـ نتساءل عن كم من لون سياسي في تونس الآن؟
ـ كم من خطاب إيديولوجي ومذهبي وسياسي في تونس الآن؟
ـ كم من تنظيم حزبي ونقابي؟
ـ كم من مؤسسة تمثيلية مدنية وحقوقية وتنموية وثقافية في تونس الآن؟
ـ ما هي درجة امتداداتها السوسيوـ ثقافية والسوسيوـ اقتصادية داخل الشعب التونسي،
ـ كيف تستطيع أن تشارك بشكل مشروع وديمقراطي دستوريا وقانونيا وتمثيليا؟....
هذه أسئلة وأخرى تحتاج إلى الحسم مع ثقافة مرحلة وتشكيلها السوسيولوجي.وأظن أن ثقافة المرحلة السابقة هي ما أنتجته كطبقة لها نفوذ وسلطة ومصالح وخروقات كانت السبب في هذه الثورة الاجتماعية الواقعة في تونس الآن...
لقد سقط النظام.ربما قضينا على رأس هرميته وما ارتبط به من عروق دموية ومصلحية استغلالية.لكن،النظام بنيات مركبة،مخترقة للجسد.فهل استطعنا تفكيكها وشل حركة مرتبطة بالنسق القديم والرجعية الجاذبة له؟
وكيف يمكن الحسم مع التشكيل السوسيولوجي ،مع ما أنتجه نظام زائل؟
أظن أن إيقاف عمل بنياته هو بداية الحل.ويعني هذا وقف عمل الحزب الذي كان مساندا للحكم.وقف عمل كل ما أنتجه من هيئات وتنظيمات.كل ما خُوِّل له من امتيازات وريع.. وهذه البداية.على أنه من حق من انتموا إليه أن يشكلوا تنظيماتهم الجديدة المراعية للمرحلة الجديدة والملتزمة بعدم الرجوع لنفس الأخطاء القديمة.. وهذا قَسَم جماعي على التونسيين أن يلتزموا به فكرا وقانونا وممارسة.
لكن،ما لا يجب أن نسقط فيه،هو ارتكاب الخطأ الذي وقع فيه النظام.فنصبح مثله في الحقارة.
يجب علينا حماية الأفراد،الحفاظ على كرامتهم كتونسيين.الحد من أشكال الانتقام الفردي وتشويه الجثة.تفعيل ثقافة حقوق الإنسان ودولة الحق والقانون.تفعيل دور القضاء والمحاكمة العادلة.إخضاع كل من يجب إخضاعه للتحقيق القضائي والمحاسبة القانونية والجنائية.استصدار عادل للثروات المنهوبة فيما مضى وإعادة توظيفها لأجل ولصالح الشعب التونسي.
من حق كل تونسي أن يتقدم بالمساهمة في البناء الجديد، داخل ثوب جديد ورؤية وطنية جديدة.لا مجال للإقصاء في المناخ الديمقراطي الجديد.
التفكير في مأْسسة جديدة مدنيا وسياسيا وتنظيميا،متوافقة مع العهد الجديد ماديا ومعنويا.
سيكون عندي جارٌ كان مع النظام وحزب النظام السابق.ستبقى روح الجوار والتعايش والكرامة والسلام والمحبة لتونس.ستبقى التحية والابتسامة.ولكن، سيكون القضاء والقانون متابعا لكل الخروقات والتجاوزات.وسأكون المتعاطف إنسانيا مع لحظة خوفه،المقتنع منطقيا بالمحاسبة القانونية العادلة وليس المنتقمة.لأجل بلد جديد،وتونس جديدة.سنبني دولة الحق والقانون،والقضاء والعدالة والتنمية،وليس دولة الأحقاد والانتقامات. لن نسقط في الحقارة من جديد.
يجب الحذر من لوبيات ومافيات الفساد التي لا زالت متورمة داخل وخارج بلاد تونس.يجب تحصين السياسة والاقتصاد والعدالة والحياة التنظيمية العامة بما يكفي من القوانين لصد الأبواب أمام كل مافيات الفساد الآتية للعتو بمصالح الوطن. القلب الذي حرق جسده لأجل حماية روح أمة تونس.فتحية تقديس لحب الوطن والأوطان ولكرامة الشعوب.ويبقى تاريخ أمة تبنيه أجيالها ليس ناهبوها.
على الهيئات الحقوقية والنقابية ،وعلى المحامين وخبراء القانون والمرافعات،رفع دعاوى قضائية بالنظام القديم وأجهزته وأشخاصه المعنويين،لأجل محاكمات تاريخية تربي الشعوب وتطهر القلوب وتبني ثقافة دولة الحق والقانون،وتجتهد في تطوير القوانين وترسم الحدود الجديدة لتداخل السلطات وتكاملها في الفصل بينها.
درس تونس،هو بداية المقرر الدراسي الجديد للقرن الواحد والعشرين.نتمنى أن ينجح في صناعة التاريخ وفي امتحانه الجديد والعسير.