في هذا المشهد ، نجد حوارا بين الاسقف كرليس و هيباتيا:
ـ انا كيرليس ، مبعوث و ممثل الكنيسة في الاسكندرية وبلاد مصر ... اقيم حكم الديانة واحارب ما سواها ...
ـ وانا ابنة الاسكندرية التي تعلمت في مكتبتها ن وتربت على فلسفتها وعلومها ... انور العقول وادعو الى الحياة الجميلة الوديعة...
ـ حياتكم التي تدعون اليها ملوثة بعبادة الاوثان ... واجبي ان احطم كل الاوثان الموجودة في المدينة و معابدها ... لذلك ، يلزمكم الابتعاد عن
الوثنية واعتناق المسيحية ن وإلا سياتي يوم لن تنفعكم وثنيتكم شيئا امام حكم الله ...
ـ تلك الاوثان يا كيرليس ، لا تمثل مجرد اصنام للعبادة ... هي ابداع جمالي وفن نحت راقي ، يقربنا الى كمال الخلق بحب الحياة التي وهبنا اياها
... لا تعتقد اننا نجعل الاله في جوفها ... في دواخلها نترك لروحنا مسافة لتتكلم مع الحقائق الخفية للوجود ... نلجأ لها للراحة من زوبعة الحياة وكوارثها ومشاكلها .. هدوؤها هو مستند السكينة لمشاعرنا يا
كيرليس ...
ـ هذا كفر بالله يلزم الاعدام لن استمر فيه ...
ـ أنا لن احكم عليك و لن اعاقبك ، ولن اتهمك بشيء لا اعلمه... انا ادرس العلم و الحكمة والفلسفة ... انور القول واجيب على اسئلة بمنطق معقول ...هؤلاء الناس يحتاجون الى معرفة
حقيقية و الى فك اسرار الوجود والكون وقوانينه الكبرى والصغرى ... تلك مهمتنا نحن العلماء... و لا اظن ان ديانتك لها مكان تفتحه للعقل و السؤال ... كيف هي
الارض ؟ ما سر الوجود الاول ؟ كيف هو الكون و النجوم و الكواكب ؟ ما هي المسافات الموجودة بين هذه الاجرام ؟؟؟ أليس سبيلا الى معرفة حقيقة الاله ؟
ـ هذا تضليل منك للحقيقة ... الاله واحد يحتاج الى الايمان والتصديق والعبادة ..
ـ ولكن ، هل الايمان يكون بالقوة قسرا ، رغما على عقول الناس ؟ قد يعبرون بالتبعية ، لكن قلوبهم وعقولهم لا تؤمن ... لهذا فطريقي هو تثبيت
اليقين فيهما وليس خارجهما بتخويف وعسس و ترهيب واعدام ... سابقى ان هيباتيا محبة الحكمة و ناشرة المعرفة ابنة الاسكندرية الحرة في شوارعها ... ساتجول كما ربتني عليه مدينتي ... انا احب الحياة كل يوم ،
والمعرفة كل وقت والتواصل من اجل الحكمة والتعلم كل حين ... أما اتباعك ، فوحشية تعاملهم مع الناس لا تبني الحضارة و لا تحافظ على عمران ... لو دخلني خوف لاعتبرت نفسي ميتة في حياتي ...
ـ انا كيرليس ، الحاكم باسم الرب ، واجبي تطويع الناس لعبادته ...
ـ الواجب لا يعني اهراق الدماء يا كيرليس ...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يتدخل في هذه الاثناء (عزازيل) بلباسه النصف اسود والنصف ابيض مغطيا راسه بقب طويل ... يمر امامهما ... يلتقيه (هيبا) في الممر ، فيتبادلان الحوار الآتي :
ـ من أنت ، يا غريب اللباس ؟
ـ أنا عزازيل ، نصف موت و نصف حياة ... نصف حكمة و نصف حمق ... أنا الذي لولاي لما كانت حركة التاريخ ...
ـ وكيف للتاريخ ان يكون بالحمق يا عزازيل ؟
ـ وكيف للراهب ان يضاجع امرأة يا (هيبا)؟
ـ تعرف اسمي ... عجبا ... لكنني انسان اقع في ضعفي الذي هو جزء مني ... والتمس طريق المغفرة والطهران ...
ـ اذا ما ترتكبه حمق اما ما تعتقده حكمة يا هيبا ... انا الجزء الذي يتناقض داخلك وداخل هذا الانام امامك المتصارع في التاريخ ... انا السلم و الحرب ... انا الخير و الشر ...
ـ مستحيل ان تكون هما الاثنين في آن واحد ... يمكن ان تكون متدخلا في علاقاتهما ، نعم ... أما ان تكون الاثنين فهذا غير منطقي ...
ـ أين يوجدان ايها المعاند ؟ أليس في الوقع و الحياة؟ اذا انا ، واقع الحياة ... هاهاهاهاها..
أنظر الى هيباتيا و كيرليس ... ألا يمثلان تناقضا في التاريخ والحياة .... كيرليس يريد اخراجها من العقل الى التسليم الاعمى ... الشيء الذي سيقضي على كل ما تعلمته بمنطق العقل و السؤال
والبحث في الكتب و الصحف ... وهيباتيا تريد طريق العقل وصولا الى الحقيقة ... بينما كيرليس يخاف ان تكون طريق حقيقتها ضالتها عن العقيدة التي يريد ان
يفرضها بالقوة عليها ...ما رأيك ... كيف ستكون نهايتهما ؟
ـ ولكن لا علاقة ل(هباتيا) ب (كيرليس) ...
ـ أنت مخطىء يا هيبا ... كل واحد منهما يرمز لجانب في الصراع والتناقض ... وهذا مختبري العمل في التناقض والصراع ... أتدخل لاديره بما اراه امتحانا وتعرية لحقيقة الانسان...
ـ ما علاقتك بالانسان ؟ ما الذي اقترفه لكي تكون مدبر المكائد له ؟
ـ ألا يدعي بانه مريد الخلاص و الصفاء ؟ ان يكون ملاكا في السماء ؟ ان يدخل جنة نقاء؟ ألا يرتكب ابشع الجرائم والفضائح التي لا تفصله عن درجة الحيوان ؟ ما الفرق بين التمساح و الاسد
والانسان ؟ لافرق في وحشية جرائمه ... ألم يقتولا أباك في صغرك ؟ وزوجوا أمك رغما عنها لما يخالف عقيدتها و عقيدة قومك ...؟ ألم تتذوق نعم الحياة مع أوكتافيا ، فكنت ملتمسا خلود البقاء معها ؟ ألم ينزعك
داخلك لكي تحكم عليها بالوثنية الجاهلة وتُعلِّي من شأنك كراهب يريد تلعم الطب والحكمة ؟؟؟الم تندم متناقضا
متدبدبا على هذا و ذاك ؟ فلم يستقر بك حال الى حد الآن؟ .... ها هما الاثنان ، اختر مع من تكون : إما كيرليس ومشروعه ، أو هيباتيا و مدرستها ؟؟
ـ الاثنان ...
ـ مستحيل يا هيبا .... مستحيل ... هاهاهاهاااااا ... انظر الى المازق الذي انت فيه ... لماذا لم تبق مع اكتافيا ؟ لماذا لم تبق داخل الكنيسة ؟ حيرتك تدل على انك تابع لمنطقي الذي اتدخل فيه
... ستريك الاحداث صحة منطقي ... أنا : عزازييييييييييل ... ستقف امام بوابة تاريخ ، تصدمك بحلولها ... الحياة لا تعد ببالخلود ، كما لا تعد بالنعيم يا هيبا ... الحرمان جزء منها ... والجهل هو
الآخر من مكوناتها ... كلن طلبك الكمال لن يتحقق الا بالتضحية بهذا أو ذاك .... سأعلمك النسبية درسا لن تنساه .... ها هي حكمة عزازيل تتحقق في الواقع و على ارضه ...
.
يسود صمت بعد كل هذا ... يتمركز ضوء دائري حول (هيبا) في محاورة
الذات :
اي دور تاريخي هذا لعزازيل ؟ ايمكن ان يكون مجرد دواخل الانسان المرتبكة؟ لغته الطبيعية التي تخاطبه باصوات المتناقضات كالبرق والرعد الناتج عن تلاقي الغيوم ...ايمكن ان يكون هذه الانانية
و الغريزة ووازع الشر في الانسان ...ولذلك تجد الدين يتدخل للجم هذا الشر الكامن في دواخلنا ...
أيكون مجرد مبرر لنقص الحياة و فساد جوانبها ؟
ايكون العملة التي تعطي الشرعية لوجود الاعتقاد بالله ؟
تُرى ،،، لو لم يكن الاعتقاد ، هل سيكون وجود لعزازيل ؟ و إبليس والشيطان ؟ ولكن ، التناقضات تبقى موجودة بالاعتقاد او بدونه ... إذن ن ن ن ن ؟؟؟؟ْْْْ
( بصوت خافت) :ترى ، لو لم يكن الشيطان او ابليس او عزازيل ، أو سمِّه ما شئت ، هل سيكون اعتراف بالاله وصيت له ؟
سيجن عقلي بكل هذه التساؤلات ... لا استطيع تركيبا لحلول لها ....
هذه الاسكندرية فجرت فيَّ دواخل متناقضة و اسقطت عليّ تناقضاتها ....
يتوارى الى الوراء فوق الخشبة .... تسلط الانوار من جديد على هيباتيا و كيرليس ، في مشهد درامي جديد ....
à propos du blog
blog des essais poétiques, littéraires et culturels.يروم هذا المنبر الى تحفيز الارادة على الكتابة والابداع.الى جعل ثقافة الكتابة اختراقا للواقع وبحثا عن الحقيقة...نور العقل يسطع في سماء الكون وأعماق الوجدان...نور على نور