جلس السارد في خلوة من أمره. رأى شيئا غريبا، تمثل في كون الحاكي بريد تحقيق ذاته وكينونته أمام السامع. لماذا اختار السارد لكي يحكي له؟ لقد حقق بعضا من الخلود في جعل جزء من حياته ومخياله قطعة أو تحفة متلقاة من الطرف الآخر، وليس أي آخر. ماذا يريد منه؟ طبعا لا ينتظر جوابا. ربما لن يجده. الأمر الذي دفع السارد إلى الدفع بالحكاية إلى الأمام. لن تبقى ساكنة وثابتة في التاريخ وفي المحكيات، خصوصا في ذاكرة السارد. يعلم أن الحكاية أصبحت مثل دينامو فاعل في ذهنه وتفكيره. لن يتحكم فيها حينما يتحقق تأثيراتها في سلوكه وحياته. ما العمل؟ لم يكن سؤالا منتظرا لجواب. كان الجواب فعلا عمليا. ذكره بالعلم اللدني المرتبط بالتوجيه السماوي. سيصبح لدنيا مرتبطة بكلمة (من عنده). دفع بالمحكي لتوجيه الخطو. يعيش السارد تجربة الحاكي. سيصنع قدرات متماهيا مع الرواية. سيقرر السفر، ومراكش، والفندق، وفتاة... علم أصبح عملا (من عنده)، أو من لدنه ، كما هو منزل من السماوات.
دق قلبها نبضا قويا. انتبه اخطر تحويل سرده إلى منافس الروايات المقدسة. آمن ويؤمن بأن لا اختراق الغيب إلا ما كتبه القدر. استثمر القلم. جعل ذا هيبة وساطة وقدرة خارقة للعادة. كم من مرة يستغرب مما كتب. قد تمضي مدد، وحين إعادة القراءة يسائل نفسه: هل فعلا أن من كتبت ما كتبت؟ يصبح غريبا عن أفكاره التي على عنها وبها. ويقدر: هنا دواخل تسكننا نحن ضيوف عندها.
(من عنده), يعلم أنه استعار شكل التعبير من ميلان كونديرا الذي يصنع لغته وينتجها ويوزعها للاستهلاك وللتلقي عند قرائه. كونديرا يعلم أن القارئ العربي متعطش للجديد الذي يغذي روحه ووجدانه. قارئ التهمته مادية الحضارة الغربية وتصنيعها لكل شيء، حتى الإنسان وجسده بالأخص. وهذا هو الأخطر. سيكون هذا الإنسان مكسرا في رواياته للثوابت، داعيا إلى قيم يرتاح لها خارجة عن المألوف.
تصايقه عبارة (من عندهم). شعبوية في التوظيف والدلالة. ليست هي مقصوده طبعا. استحضرها هنا لكي يزيحها. وهذا ما قام به. انتقل إلى حكييه الخاص؛ من لدنه. الآن صفت العبارة