مقاطعة اقتصادية
منذ قرأ لتاريخ "هم" ببلاد الأندلس ، لم يغمض له جفن حتى يستوعب سر الحكاية. هل صحيح أن دور "هم" كان لهذا الحد مقيتا؟
لكنه لما رأى "هم" في بلدته، تعجب أولا لوجود "هم"، ثم راوده الفضول لمعرفة سر هذا الاستثناء!
كانت البلدة تحمل إرثا تاريخيا، دينيا وسياسيا. تحمل رمز مدينة مقدسة. زاوية يحج إليها الناس للتبرك وطلب العون الإلهي.
عبر التاريخ الذي شكل حياة المغاربة، حيث تداخل جدل المصالح، واختلاط الملل والنحل، كانت المدينة تقاوم وتريد الحفاظ على طهارتها. عصمتها؟ نقاوتها؟ ربما مصطلح القداسة ينوب في التعريف والتبرير.
على العموم تروي الحكايات بأنها لا يبيت فيها "هم" أبدا. قد يأخذون ترخيصا لتجارة أو تبادل مصالح، لكن الليل حينما يحل، على المدينة أن تتخلص من براثن الدنيا، وتنام استعدادا لصلاة الفجر. كلُّ من دخلها عليه أن يتطهر ويستحم في باب الزهر أو قبله. عليه بالنية، والنية أفضل من العمل. لكن النية هنا لا تكفي. العقيدة أولا.
تاريخ طويل هو، مشترك بين "هم" والمسلمين. كيف استطاعوا أخذ ترخيص بالمبيت في فندق من فنادقها؟ الله أعلم! تاريخ الشعوب مدون في يوميّ أفراده.
ذلك هو السر الذي جعل التاجر الشاب اليافع، يتوق لمعرفته. منذ أن بدأ مشواره في البيع والشراء، كان من أوائل من أدخلوا مادة البُن إلى البلدة. يشتريها حبوبا، ويقوم بطحنها في ماكينة خاصة. جل الناس أصبحوا مستهلكين ومدمنين على شرب الشاي. ها هو التاجر الشاب أحمد وقد جعل مادة جديدة في السوق. لها روادها كما لها صيتها.
كان فندقا قائما بأعمدته المقوسة، وبابه الرئيسي الكبير. يتكون من طابقين اثنين. السفلي منه تعرض فيه التجارة والسلع بالجملة أو بالتقسيط. أما الطابق الأول فهو لبعض الحرفيين. ويبقى الثاني فريدا من نوعه في تشكل رواد يبيتون في غرفه، ما دام مسماه: الفندق.
حينما تلجه، تجد أوراشا متنوعة بحسب فصول السنة. خلال شهر دجنبر هذا، حيث الطقس بارد وقارس، يكون فصل الشتاء في تناوب مع الإنسان في الدب على الأرض والتفاعل معها. حينما تمطر، تتوقف حركة الإنسان ويبقى لجداول المياه أن تنظم إشباع أمنا الأرض بما جادت به السماء. وحينما يتوقف هطول الأمطار تبدأ عملية جني الزيتون، وتكون بعدها البراميل وسط ساحة الفندق مستقبلة لما جادت به الطاحونات الحجرية المتخصصة في عصر زيت الزيتون. أما غلاله المنتقاة للتمليح والتحميض، أو التصدير خارج البلدة، فهي معدة لذلك ومنتظرة للمشترين ولشواري الدواب التي ستحمله.
كان "هم"، من بين من يتوسطون بيعا وشراء، و(دلالة) و(تسببا) بمصطلحات البلدة، في وساطة التجارة. وكانت النقود بين أيديهم تنسكب بسحر خاص. لا يدري المتتبع كيف توفر "هم" على كل هذه الكميات من النقود.
ذلك ما أثار فضول التاجر الشاب أحمد. وهو الجديد في التجارة. يريد الاستفادة من الآخرين، وإن كانوا "هم". لا عيب في ذلك. التجارة حلال، والبيع والشراء كما الطعام والزواج منهم حلال كذلك. طبعا، بحسب درجات الترخيص. للفقيه رأي، وللتجار رأي آخر. لكن، للهوى رأي ثالث بعيدا عنهما.
لم يحضر الرأي الثالث هنا. حضرت اليقظة والحذر إلى جانب الفضول. أراد التاجر الشاب أحمد أن يعرف سر بقاء "هم" داخل غرفتهم لساعات دون تواصل مع الآخرين. تسلل وأطل عليهم من بين شقوق الباب الخشبي وفلجاته. رأى ما رأى، وتبين ما رأى. شعر "هم" بالغريب عنهم، وقد اكتشف سرهم، فيما هم فيه يختبئون ويصنعون. ثارت قيامتهم. إذا ما كشف أمرهم وسط الناس، ستكون نهايتهم، و "هم" من استطاعوا اختراق هذه القلعة المقدسة بنعومة التجارة. افتعلوا وقوع سرقة. هَيْللوا وهوّلوا، وهرْولوا مستديرين في الساحة. جاء أمين قاعة الزيت، ومشرف الفندق والشيخ الممثل لباشا المدينة المقدسة.
كان "هم" قد استفادوا من المرحلة التاريخية للاستعمار الفرنسي ببلاد المغرب. أصبح ل"هم" حي جديدٍ، راقٍ، وآمن، وبعيد عن ضجيج وإزعاج السكان المحليين بمكناس. ليس هذا فقط أصبح "هم" كذلك طبقات، بين ميسورين وحرفيين عاديين. ولا بد من استمرار التسلق مع السلطة والمال. تقوى النفوذ والتواجد حيث حلّوا وارتحلوا، وها "هم" في تحدي فتح قلعة تاريخية منيعة بالمقدس.
كانت التوصية لباشا المدينة المقدسة بأن يحظوا برعاية خاصة وأمن كبيرين. هكذا سارع بالقبض على المتهم، الذي لم يكن سوى الشاب أحمد التاجر.
ألصقت التهمة بالتاجر الشاب أحمد، أنه سرق مالهم، وهناك من رآه متجسسا على الباب. فعلا، كانت الشهادة الأخيرة كافية. اقتيد الشاب أحمد إلى مقر الباشوية. اعتقل بالتهمة، إلى أن جاء من شهد بأنه لم يسرق شيئا، وكان شهوده على يقين من براءته. التهمة باطلة وأريد بها باطل. "هم"، متاجرون في مادة حرام، والبلدة مقدسة.
احتار السيد الباشا خريج القرويين ماذا يفعل. السلطة سلطة، أكبر منه ومن قراراته. الحماية قائمة، وتحمي "هم" قبل حماية المسلمين. استشار مقربين من النبهاء والفقهاء في النازلة. من أفتى بالقرار؟ كان نبيها فعلا، وحكيما في سياسته.
يوم السوق الأسبوعي بالمدينة المقدسة هو يوم خميس. سيتم تحويلها إلى يوم سبت. ويوم السبت مقدس عند "هم". المكان مقدس عند المسلمين، وهذا اليوم بمقاس الزمن، مقدس عند "هم". تجارتهم التي يربحون فيها ويروّجونها، قروضهم التي تزعزع بها الأندلس وأهل ديار القاهرة والعثمانيين، تتم يوم السوق. الذهب المصاغ من جديد الذي يجد في رسغ النسوة وكوعهن مدارا لأساور وخلاخل. ماء الحياة الذي سيخترق العقول فلن يقرب أصحابها صلاة وهم سكارى. ستبور تجارتهم لا محالة، وستذهب خطط "هم" أكيد.
بين المقدس والتجارة، كان قرار الرحيل وترك البلدة المقدسة لأهلها. اللوم على من غيّر يوم السوق، فأصبح أهل البلدة المقدسة يتغنونه بدل يوم السبت بيوم السوق أو نهار السوق. هكذا اغتاض "هم". هكذا تركوا البلدة المقدسة ترافقهم نظرة دفينة في دواخلهم.
رحمك الله أيها الشاب أحمد، كنت تاجرا نبيها وسببا في ما وقع. هذه حكايتك كما وقع مع "هم".