منذ وفاة السيد بدوي تغيّرت طريقة التعامل مع الملفات المرتبطة بشبكة تمارة. بقيت مجموعة من الأسئلة عالقة في ذهن لطف الله. فبقدر سهولة اندماجه في تسيير الودادية وفي جلسات المرح الخاصة بالترفيه لأعضاء الشبكة، بقدر قلة التدخلات الموجهة لأنشطته معها. هكذا كانت المعلومات بسيطة في الحصول عليها. مجرد تذكير بمواعيد الاجتماعات واللقاءات. مضمون الحوارات وجديدها. طبيعة الأشخاص الجدد الذين قد ينضمون في التفاعل. مواقيت المكالمات التي تبادلها أو التي تمت أمامه من طرف بعضهم.
أصبحت صورة لطف الله والتي أرادها له معلمه الطباخ، صورة وصولي انتهازي فائق الذكاء في تحقيق نفعيته ورغباته ومصالحه. لكنها صورة وشخصية اعتمدت على جعله ذلك اللبق والمتمدن جدا، بلغة الجماعة أصبح لقبه: الجنتلمان اللطيف. يشهق تنفسا ويفجر زفيرا تجحظ معه عيناه. يستغرب لاسمه الذي يتشكل مع الوضعيات. ها هو لطف الله وقد أصبح الجنتلمان اللطيف. ويتساءل: هل هي طريق لإنقاذ هويته الحقيقية أم تراها مورطة له في فضحه؟
لم ترغب حياة النفوس يوما في مناداته بغير لطف الله. حياة النفوس التي أصبحت المديرة الجديدة لشركة المرحوم السيد بدوي، اكتفت بالأعمال الخدماتية الوسيطة في المهام. قد يلاحظ البعض تقلص هذه الشركة وتراجع استثماراتها، لكن السيد "الطباخ" أرادها كذلك. سارع إلى إجراء تحويل ملكيتها إلى شركاء جدد غير معروفين، من بينهم نجد لطف الله وحياة النفوس. كان له سهم فيها هو الآخر، لكن بتسمية غير مألوفة عند الجميع. أما من يحتمل أن يكونوا ورثة للسيد بدوي فقد تمت ترضيتهم وتسوية خروجهم من حياة الشركة واحتمالات احتجاجهم أو تقدمهم بدعوة قضائية.
كانت الرسالة واضحة. الشركة لها خدمات أمنية مع القنصليات وسفارات الدول، ولا يجب التواجد فيها لأي كان، ولو كانوا من أقرب المقربين والورثة من مؤسسها السيد عمر بدوي، فقط لمن سيكونوا مناسبين. كان الخط الأحمر مرافقا لتوقيع الوثيقة المتضمنة لهذه الرسالة التوجيهية، وهذا القرار الصادر من جهات عليا. كان لبنوة عمومة قريبة حظ وافر من إرث المرحوم السيد بدوي. السيد بوعزة بن الصديق البدوي، فلاح عمّر وارتبط بحياته البدوية نواحي مدينة الرماني. تأكدوا من علاقة القرابة وسلامة التسمية. فأداة التعريف قد تشكل فارقا بين بدوي و البدوي، لكن السجلات المدنية قد يقع فيها المدهش من المفارقات. يكفي أن تختلف التسمية بين أفراد الأسرة الصغيرة الواحدة لكي يتبين احتمال الخطإ فيها. فهل كان حذف الألف واللام مواكبة لعصرنة التسمية، أو مرتبطا بمرحلة إقامته بإيطاليا؟ ربما (بدوي) أنسب في المناداة هناك، كما هنا داخل أوساط العاصمة الرباط.
سيبتهج السيد بوعزة بن الصديق البدوي لنزول هذا الرزق من السماء وسيقبّل بيده شفتيه وجبهته حامدا الله على هذا الرزق الذي بعثه له. سيضع كف يده الأخرى على بطنه المنتفخ والبارز وهو يدعو بصوت رقيق ابتل بإفرازات غدده المتحسرة داخل دموع منحبسة: الله يرحمه، كنا نودّ أن نزوجّه من دوار القبيلة حتى يترك ذرية تخلّده. وفيما كشف محامي المرحوم بدوي عن وصية توضح تحويل ممتلكاته الخارجية إلى بنته الوحيدة التي تعيش بإيطاليا، لم تكن هناك إشارة لطبيعة ممتلكاته ولا لمن ستحوّل داخل بلاده المغرب. انعدامها خوّل للساهرين على عملية التصفية للتركة بجعلها بمقاس المرحلة الجديدة.