Overblog Tous les blogs Top blogs Littérature, BD & Poésie
Editer l'article Suivre ce blog Administration + Créer mon blog
MENU
Le blog de mondevenir/imami hassanإمامي حسن
Le blog de mondevenir/imami hassanإمامي حسن
Menu
امرأة وثلاث شجرات

امرأة وثلاث شجرات

امرأة وثلاث شجرات

 

امرأة وثلاث شجرات

حسن إمامي

 

وقفت شامخة، نضرة، متأملة من يمر بجانبها أو بالرصيف المقابل، أو حتى ذلك المسرع داخل سيارته، وقد يلتفت ويبتهج ويبتسم لها. لا تنظر خلفها، لا لظل أو همس خطو. إشراقتها مع الريح التي تجعلها مرفرفة ومنسدلة ومتراقصة مع اتجاهاتها.

بالمقابل، كانت أخرى داخل جنانٍ وحديقة، خلف أسوار مسيجة، محاطة بعناية وحراسة حتى تبقى محجوبة عن كل نظر أو تجسس أو تحرش. لكنها لا تملك نضارة سابقتها ولا تستطيع الصمود أمامها على الرصيف. فلن تحافظ على يناعتها ومحاسنها. تُراها غيورة ومجرد صبورة؟

وكانت الثالثة بنت الجبل والغابة. متعالية على الجميع. عالمة بأصوات الليل وحركات النهر. تطل على الآفاق لعلها تجد نظيراتها فتراسلها في هرمونيةِ تراقصٍ وتلاقح. قد تبدو بعيدة عنها، لكنها هي تشكو بعدا أكبر، بعدا عن الجبل الآن، وعن الغابة، وعن هدوء الطبيعة وصدر تربة وأسرار ليل لا يعلمها النهار. كل ما ترسله مع الاتجاهات ينتظر أجوبة وتلقيا. عدما هي في غربة وحنين.

ورغم ذلك، كان الثلاثة في خط النظر، وهو الجالس في مقهاه المعتادة، مرتشفا من فنجانه الذي ما نضب منذ أن أصبح مدمنا على بنٍّ جميل، رغم مرارة قطراته، ما دام  لا يشربه  بإضافة قطع سكر لعينة. لم تعُد الحلاوة نِسبا مادية في القياس، مثلما السعادة، ما لم ترافقها حرية وانطلاقة حياة.

كانت واقفة بالقرب من شجرة أرنج، شجرة مورقة وظليلة. كانت ببهائها. ارتأت أن تتزين بأبهى فساتينها. جيد منفتح ومُتحفٌ بقلادة منبسطة على مرمى نهدين أبَيَا إلا التحرر من الزر الثالث العلوي لكي يريا النور ولكي تخترق ممرهما أشعةٌ وهواء وصخب حياة. كل مرة كان ملمس السبابة يوقع الاتفاق، يشير إلى الحضور وإلى التوق. وكان هذا التوق قد لا تعيه صاحبته. سيميائيا وتحليلنفسيا نعم. لكنه توق اختارته في لون فستانها وتلابيبه المنفتحة على ركبتيها الكاشفتين.

نظره كان دقيقا، وراء النافذة الزجاجية الكبيرة. تحسبه هادئا، كصياد غاب ثابت عن الحركة في زاوية عالية، يترقب مرور مصيد جديد. ملاحظاته كانت متتابعة، وهو الزبون المألوف في هذا الركن من المقهى. ها وقد أصبح المقهى ملجأ التأملات والمتابعات. ناب عن المكاتب، وعن الملاجئ، وعن أماكن العبادة والزهد المنيعة. ها وقد أصبح كرسيا تسلسليا إذا شاؤوا معه رقمنة الأفراد طبعا، وحصرهم في نقط تجمع متعددة. على الأقل هذه الفئات المرتادة، والمجموعات المثنى والثلاث وهلم عددا. وقد يوحي لهم هذا السرد بالفكرة والبرمجة المدعاة.

وهو الجالس بمفرده، غير المجتمِع مع غيره، إلا ما نذُر له من لقاءات. صاحبَه العُمر لكي يخلق له وحدة وعزلة مشتهاة، ولكي يجعل له سيرة وذاكرة وذكرى. يعيش ويقتات على مخزونه، ويترقب كخبير هذا العالم الخارجي، أو كصياد داخل غاب يعلم قوانينه وأساليب اقتناصه وافتراسه. قد يبتسم لمعادلاته وتخميناته. غالبيتها يتركها طيفا وراءه مع ما تراقص من بخار فنجانه أو سحب السجائر التي انتشرت بياضا في فضاء مقهاه. يتركها طيفا وراءه عند إيابه إلى مقر سكناه، فالغد له مفاجآته ومعادلاته الخاصة.

ويعود لتأمل التماع الحذاء الأسود، ولمداره الرقيق والمهندَس على مقاس رِجل باديةٌ نعومتها، وساق مرطب الملمس وبهي المنحنى والمتصاعد إلى مدار رقصة حواشي الفستان المشبكة. لا فواصل بين عبارة جملته الواصفة لتكامل هذا الجمال. زمَّ شفته السفلى بضغط عليها بثناياه. ليته امتلك ثقافة ولغة اللباس والزينة الأنثويين، لكان أكثر دقة في وصفه ولمحه. لكنه سيستعين بحيل لغته وأسلوبه ووصفه. ستكون البلاغة مسبحه الذي سيذرعه جيئة وذهابا، استعارة وتشبيها وانحيازا.

وجدها، تفاحته الاستكشافية. كم منا يتيه ويضيع يوميا بحثا عن حقيقة، عن سراب، عن متاهة. هو وقد وجد تشبيهه الذي سيستعين به. ثلاث شجرات وامرأة واحدة. لم يحكم بعدُ على المرأة الواقفة. فتاة أو امرأة، هذا شأنٌ آخر، إلى حين. إنما ينتظر ما سيصدر عنها وما ستتصرف به.

لو التفتت إلى كل سيارة جميلة مارة، لو داعبت بأناملها خصلات شعرها مع كل سائق مشدوه بوقفتها، لكان جعلُها مشبهة بشجرة الرصيف نضارة والتفاتة. لو أنها أدارت ظهرها لكل الإثارات والإشارات، وانشغلت بهاتفها وساعتها لاختار لها بين شجرة الزيتون أو شجرة غابوية. لا ! سيختار لها ذات السياج والجنان أفضل. سيعود لتصفح متاهات العناوين والصور والفيديوهات في هاتفه المحمول. لو أنها استدارت ورمقت هذا المتتبع والمتطفل على حريتها ووقفتها، لو أنها دخلت إلى المقهى وسألته أو طلبته في شيء ما أو خدمة ما، لاختلطت عليه الأوراق، ولسجّل تدوينته الجديدة:

في موسم الخريف، بدأ تساقط بعض الأوراق، جُنّت الغابة من مجرد خشخشة غير مألوفة سمعتْها رطوبتها وتربتها.

كان فعلا موسم خريف. كانت أوراق بعض الأشجار في تساقطٍ، إلا هذه التي أمامه. لكن أوراقه تساقطت فعلا مع تخميناته وفضوله الفارغ. كان عبثيا في تفكيره وجلسته وانشغاله. كانت تدوينته على الطريقة الوجودية منسلّة به من العبث إلى التفكير في عبث هذا الوجود. كانت ذاته من هذا المقهى كمكان يحتضن اللاشيء يوميا، والذي يعكس صخب الشارع فوق طاولاته ومرور الأيام في ذاكرته.