كانت زيارة فؤاد لتركيا مفاجأة لأهله وأصدقائه. استغرقت مرحلة تعديل شهادة حسن السيرة مدة لا بأس بها من السنوات. لكنه استطاع خلالها أن يحصل على جواز سفره وأن يسجل هويته في البطاقة الوطنية وجواز السفر كمستخدم في مؤسسة تربوية خاصة.
كانت الدعوة من الحاج كمال. فبعد ثلاث سنوات ونصف تقريبا من التعارف، وبعد غياب السيد عبد العاطي الذي طال دون وصول خبر عن وجهته التي اختارها أو اختارته، كان حضور فؤاد لاجتماعات الثلاثة وقد أصبح مألوفا وداخلا في حلول التنسيق بين أفراد المجموعة. وبحكم كون الحاج حميد والسيد عبد الجواد الذي عاد من عمرته الثالثة، منشغلان بمشاريعهما داخل المغرب، كان اختيار الحاج كمال لفؤاد لكي يزوره في تركيا ويقترح عليه مشروعا تجاريا لابد أن يؤهّله له إن أراد النجاح فيه. زار في بداية رحلته إسطنبول ثمّ أنقرة، وكانت حطّ الرحال بأنطاكيا موطن الحاج كمال.
كان تعريف المعالم الأثرية برؤية الحاج كمال وقراءته للتاريخ والعمران والأحداث والشخصيات. أوقفه وسط ساحة وأشار لاتجاهات المآثر والمعالم. المسجد الأزرق الذي خرجا منه، وآية صوفيا الذي سيلجان فضاءه ومتحفه. هي فرصة الحاج كمال لكي يتحدث عن مجد الإسلام وتفوقه في العهد العثماني على النفوذ المسيحي المتراجع.
يتابع فؤاد مضيفه ويتأمل بعينيه هذا التنوع البشري والهندسي والجمالي الذي تزخر به إسطنبول. يتمنى لو أنه كان يعرف المدينة من قبل، لو أنه يستطيع التجوال بحرية بمفرده. ما يراه من شباب وشابات متحررين ومتجولين أثار حنينه إلى شبابه وهو في مناخ تغطية الحاج كمال السياحية والتعليق فيها على ما تستقبله حواسه قبل ذهنه.
ـ قصة آية صوفيا تشبه إلى حدٍّ ما قصة حزبنا حزب العدالة والتنمية. شوّه البيزنطيون صورة محمد الفاتح وصورة الإسلام. هرب الناس إلى دير آية صوفيا، هذه البناية أمامك. كانوا خائفين من دخول الإسلام إلى مدينتهم. خل محمد الفاتح المدينة وتوجّه مباشرة إلى آية صوفيا، خاطب الصغار والكبار: أنتم آمنون على أنفسكم وعلى أموالكم وعلى دوركم. اذهبوا فأنتم طلقاء. حزبنا كذلك يعرف تشويها لرسالته وكأننا نريد القضاء على الحياة والتطور. انظر سيد فؤاد، ما تراه من بهاء نظافة وطرق ونظام هو بفضل عمل الحزب هنا بالمدينة. هي الآن قلب الاقتصاد والمال والسياحة والحمد لله. للأسف ما زال الغرب يلوك كلام الماضي ويحنّ إلى استرجاع القسطنطينية بعد أن أصبحت إسطنبول. نحن نعيش الحاضر والمستقبل سيد فؤاد. مرحبا بك في تركيا.
يبتسم فؤاد لمشهد الحمام في ساحات أنقرة. يذكّره بساحات الرباط عاصمة بلاده المغرب. لكن ابتسامته كانت لطفل يجري بين أنحاء الساحة وهو يحاول القبض مرحا وتخيلا على رفرفة الحمام المتراقص في فضائها. لحظتها شعر بالاستئناس وبكون العالم متشابه. لكن أفكاره بقيت ببساطتها بحيث غيّر حديث الحاج كمال موجتها:
ـ سنذهب الآن من هذه الساحة جارشة كزلاي لزيارة عالم أرمادا مول.
هكذا تمتع السيد فؤاد برحلة موفقة شاهد خلالها ثلاثة مدن رئيسية وتاريخية في تركيا. وبقدر الزيارة بقدر التعرف على أشخاص جدد التقى بهم الحاج كمال وعرّفهم خلال ذلك على الشاب فؤاد.
في لحظة من جلوسهما في مقهى بمنطقة سيركجي لتناول كأس شاي، التقط بصر فؤاد طيف أنثى داخل مقطورة الترامواي المتجه لعبور مضيق البوسفور. تخلّل ذاكرته تشويش خفيف لمي يستبِن كنهه. الناس تتشابه عبر العالم. هكذا كان تعليقه دون أن يحدس أي تشابه هذا وبين مَنْ.
يجول بعينيه الفضاء ويستحسن الابتسامة للألوان الجميلة التي تشكل الأشياء والشوارع ووسائل الموصلات كما اللباس.
ـ الألوان جميلة هنا حاج كمال.
ـ فعلا. هذا سرّ تركيا. ألوانها جميلة جدا في كل شيء. إن شاء الله سيكون لك اختيار المناسب منها في مشروع التجارة الذي ستشرف عليه في بلدك المغرب. عسانا نجعل لبلديْنا رابطا روحيا أقوى مع هذه التجارة.