في شهر شتنبر من سنة 2012، سجلت مدينة أنطاكيا توافدا مهما للمواطنين السوريين النازحين من بلادهم. تلك كانت بداية مرحلة جديدة في تعامل النظام التركي مع دول الجوار والمنطقة. توازنات جيو استراتيجية شرحها مسؤول القسم الدولي في الحزب للحاج كمال. تدبير مرحلة سيتكلف كل منخرطي الحزب للقيام بمهام دقيقة من أجل نجاحه.
منذ ذلك الحين بدأت علاقات جديدة للحاج كمال. ممثلو حركات جهادية وقد استقروا مؤقتا بالمدينة. كانت مهمتهم تنسيقية فقط. وكانت المخيمات مشرعة لاستقبال النازحين من الحرب الهلية التي بدأت ضراوتها تخيف العالم وليس الإقليم أو المنطقة فقط.
قلوب الأنطاكيين بدأ وجع الألم التاريخي يمزق أحشاء وجدانها. أطلال مآثرهم التاريخية عادت لتتكلم وتنطق بأسرار الماضي والحاضر. حتى إن الصمت والظلام أصبحا مزعجين للبعض، خصوصا للحاج كمال. لكن الحاج كمال، منذ ذلك الحين استعان بمصاح الحزب ومصباح الحركة لكي يزيد ذلك الصمت الذي يسبق العاصفة، وتلك الظلمة التي لا تعؤد بفجر سلام أو فرصة حمَام. التوجيهات التي تلقاها تلزمه بأن يجعل اختيار الحرب في سوريا هو اختيار الدولة و ليس الحزب، والحزب في نهاية المطاف جزء من الدولة وسياستها الجمهورية العلمانية. إنها مصالح فوق الأشخاص والأحزاب. الجل فطِن إلى كون اللعبة معقدة وتعِد بالخسران كما تعِد بالنجاح والانتصار.
في صباح شهر يناير من السنة الجديدة 2013، كان لقاء الحاج كمال بشخصية جديدة في مدينة أنطاكيا. سأل عنها الجهات المختصة بالمعلوات. كانت شخصية عبد الكبير العمري هي المعنية بهذه الاستعلامات. يجلس الحاج كمال فوق كري خشبي أثير ومغلف بثوب قطني رطب. يعشق هذه الزاوية داخل بازاره (السارسي). يستطيع من خلالها رؤية الاتين من مفترق الطرق والرصيفين داخل هذا الشارع الصغير الذي بدأ تجارته الأولى فيه في الزرابي والتحف القديمة.
لم يصدّق أن يكون هذا الداخل للمحل هو السيد عبد الكبير العمري:
ـ سي كبير عمري، تُراك تركيا وليس مغربيا. ال(بييِك) تركي مائة في المائة.
يضحك السيد عبد الكبير وهو يصافح مضيفه ويعانقه بكل ثقة يبديها في خطواته وكلامه.
ـ أنا مثل العملة، بواجهة تركية وواجهة مغربية. الان اعتبرني تركيا معك في الحضور والعمل. اعتبِرني الآن كبير الاسطنبولي. أنا مستقر هناك في الجهة الشمالية غربية من تركيا. وهذه المسافة التي حلقت فيها حتى أصل إليكم تدل على جدية ما نقوم به فيما بيننا.
تناولا كأسا شاي أسود منتوج في منطقة (ريز) المطلة على البحر الأسود. رتّب الحاج كمال لكي يكون اللقاء ثنائيا، بينهما فقط إذ كلّف المساعد في البازار بمهمة في أنحاء المدينة. حضّر الشاي بتأن في التشايدانليك çaydanlik. كأسان صغيران مزج فيهما الحجا كمال (الدييم) مع الماء الساخن. شرح لضيفه طريقة التحضير والتقديم فيما اكتفى السيد كبير بتزكية ما يقوله الحاج بانحناءات موافقة ومستحسنة لكلامه و لما سمعه منه.
ـ الديم هو مستخلص الجزء العلوي من سخانة الشاي. وكما ترى فهذا الماء الساخن في الجزء السفلي يخلط معه فيعطيان معا مذاقا ساحرا.
بدت الكأس çay kupassi صغيرة جدا بين أصابع السيد عبد الكبير، ما فتح ابتسامة عند الحاج كمال لطريقة مسكه لها وتضايقه من سخونتها. بدت الكأس كذلك وديعة كزهرة أوركيدا صغيرة في يد خشنة تكاد تهشمها. ذلك كان شعور السيد عبدالكبير في دواخله دون أن يبدي ملاحظته للحاج كمال. وبقدر إتقان الطقس الاحتفالي لجلسة الشاي بقدر دقة الحوار والكلمات التي تضمنها بين الطرفين.