بعد مرور سنة ونصف تقريبا على فضيحة الفندق التي تورّط فيها موسيو الحسين، المسؤول البنكي المرموق على صعيد المدينة، اندمل الجرح وهمد البركان وتُوّجَ رماده بزهرة ربيع جديد، مولودة فاتنة اختارت لها أمها ارسم فرح. علّه فرح يطهر الوجادن من زوابع ما مضى وما اجتر حبه الفؤاد. اكنت التهنئة بصورة مأخوذة لفرح متوسّطة أبويها ومغطّية للخبر في بعض الجرائد الورقية والإلكترونية. كان موسيو الحسين متألّقا من جديد، ذاك أن المجتمع يهاب من يخرج من الكوارث سالما ومنتصرا. يعتبره بطلا.
هي طبعا قيم سائدة دون أخلاق الكتب والمواعظ. وتلك فلسفته التي يعيش داخلها، فلسفة منافسة رأسمالية وليبرالية واقتصادية ومالية، الزحف على كل بناء وجداني لكي تبني شكلها الحضاري والعالمي. فكيف سيتجنّب الزلات والكوارث؟ هذا حذر موسيو الحسين في فلسفته الجديدة، في بذخه المتزايد تحدّيا لكل تهديد بالسقوط. يجلس بوعيه المعاصر والحامل لثقافة السوق والمنافسة، تخترق شخصيته مشاعر التحدي والفردانية والمضيّ في قرارات حريته الشخصية. يرى دوره داخل هذا لتحدي مضيّا إذن. وحينما ينظر لعدد الدور الذي صعد درجه يستنتج استحالة التراجع إلى الوراء، ويقرر ضرورة الاستمرار في الصعود بشكل متسارع.
جلستُه في مطعم فندفه الجديد كانت طاولة مخصصة له كل مساء تقريبا. حجزها الولي يبدأ بألف درهم. ولنتصوّر عمليات حجز بين حضور وغياب ودرجات استهلاك. ضيوفه مميزون جدّا، لكن الطامعين في فتات مائدته غير منعدمين. بين التاسعة والنصف ليلا والثانية صباحا يعيش موسيو الحسين جلساته الساحرة. قد لا تصعد الحسناء إلى غرفة في الفندق، يكفيه حضورها وعناقها والتفرد بها. كل رواد الجلسات الراقية تهافتوا على مصاحبة موسيو الحسين. والرواد ليس من الضرورة أن يكونوا طامعين في مجانية جلسة واستهلاك لكحول وأكل وشرب مرافق. فمثلما يدبّر ويدير عمله في المكتب البنكي يدير جلساته في الفندق. أكثر من ذلك أنه أصبح ينظم نوعية الذين سيحضرون لها لكي يصنفهم حسب مناسبتهم وميولهم وثقافتهم.
تكوين موسي الحسين الجامعي اقتصاد وتدبير مقاولات وديبلومات راكمها بسرعة. ثقافته الجامعية والطلابية جلعتْه يحمل كل الأفكار فتكون مناسبة للتداول بحسب المقام النفسي والمهني والمعاملاتي والحواري العام والخاص. أصبح المعالج النفسي للشخصيات التي تجلس معه. ذكاء حادٌّ فعلا، لكنه مكلّف ذاتيا في بناء أنانية مستقلة داخليا لا يكشف أسرارها جل أصدقائه ومريديه. فعلا مريديه لأنه من أراد تطوير ذوق حياة الرفاهية بالمدينة عليه أن يجالس موسيو الحسين ليرى نجاحاته في الابتسامة والمناقشة ومراودة الأنثى وتدليلها واختيار الشراب والأكل المناسبين في الوقت المناسب.
يستغربون لأناقته الفائقة، ولتوفيقه بين العمل وهذه الحياة الراقية. يتساءلون طبعا عن مصدر هذا الرزق الوفير الذي ينفق رفاهية. قد تأتيهم الأجوبة ضمنية من خلال الحوارات باستنتاج نوعية المشاريع التي أصبح موسيو الحسين يشارك فيها، فيرغبون في مشاركته مشروعا من المشاريع حتى يتسنى لهم أن يجالسوه في محفله الليلي أكثر من النهاري. لقد أصبح موسيو الحسين جنتلمان عند البعض، وكازانوفا عند البعض الآخر. ما دون اللقبين فهو لا يعير اهتماما لأحكام القيمة الأخلاقية أي اعتبار. عالمه فوق أرض البشر. و عمله منطق سوق مفترس بالقانون وبنعومة التنافس المحقق للانتصار على حساب سقوط وإفلاس الآخرين. وداخل مكتبه يميّز بين ألوان الملفات، وبين انواع السقوط والنجاح، وبين درجات الشرعية من الحيل التنافسية اللاأخلاقية واللاإنسانية. يكفيه هذا لوعي لكي ينال حظه من شقاوة الفهم للواقع والمجتمع، ولكي يكون المبادر للدخول لسوق العمل والاقتصاد والمال كفارس وليس كمستخدم كما أرادوا له في البداية.
من بين أصدقائه الأوفياء من أيام الدراسة، والذين يشكلون وجه عملتِه الآخر في الوعي والثقافة، كان السيد عبدالعزيز الغزواني أستاذ محاضر في اللغة الانجليزية وآدابها. تكون جلساتهما مميزة ما داما يتقاطعان جل الاختيارات الشخصية باستثناء طبعا مورد الرزق. يحلّله لدرجات التحلل، حيث يصبح موسيو الحسين شخصية سريرية في نظر صديقه عبدالعزيز. يعتبره نرجسيا وقد تضخّمت أنانيتُه. يحذره من اخطار ما يغامر به، لكنه يجد المعاند الصلب في التحدي داخل ردّ فعل الحسينظو يرفض إكرامياته ودعاوته الباذخة فلا يقبل منها إلا ما يحدس لاستطاعة مبادلته إياه كعزومة واستضافة مماثلة ومشابهة. ربما أصبح أعز أصدقائه أشدهم إثارة للقلق وللتوتر. ربما كان السيد عبدالعزيز هو ضميره الحي الذي يغيب عن مضايقته لكنه يخيفه حين حضوره.
فهل كان فؤاد الشاربي ابن حيّه القديم في السكن على علم بكل ما يقع؟ هل اطّلع على بعضٍ منه؟ ما علاقته بما يقع إذن؟
لم تكن هذه الأسئلة لتخترق الأحداث لولا تلك الجلسة التي خلقت الحدث الجديد. جلسة لم تأت من فراغ طبعا. أسرارها عَقَّدتْها بعض السنين التي تلت جروح الشخصيات وتراقص قدر الحياة بهواء سمائهم فيها. قدر آخر ينضاف لما يمكننا ان نفهم به سرّ التحولات المستقبلية التي آلت إليها شخصية وحياة فؤاد الشاربي.