أنقرة ـ أنطاكيا ـ تركيا:
هل يجوز البوح بأسرار البوح؟ أن تكون خيوط القدر المتحكمة في اللحظة منتمية لأمكنة متعددة ولأزمنة مختلفة؟ ذلك قدر الكتابة عن فؤاد، وعن الوقوف معه في لحظة بريئة إلا من حلْم الفوز كشاب بابتسامة وعبق عطر فتاة اسمها أسماء.
كان جيبُه خزينة دولة تمتلك ضمانات تحقيق هذا الحلم ـ الأمنية. خمسون درهما موزعة على سماء الأفق ولسحب المُشكّلة لمخيّلته التي لا تسعفه دائما في الوصول إلى المنى.
الخيط الأول للقدر:
الحاج كمال:
لم تكن ليلة الفيلا بكافية للتعرف على شخصية الحاج كمال. لحظة الاندهاش تكون مثل ملصق فيلم يركز فيها المخرج له على صورة ولحظة معينة، قد تصير بالقوة أو بالجنس أو بالمشهد الخارق... ربما هي لحظة رؤية فؤاد للحاج كمال تلك الليلة. وقد عاد الحاج كمال بعد أسبوع تقريبا لبلده تريكا. تركيا، هذه الدولة التي عرفت انفتاحا وشهرة ساعدت عليهما عولمة وسائل الاتصال والتواصل، وعولمة الاقتصاد والتجارة. تركيا التي لا دخل لفؤاد في حقيقة سياستها الخارجية وتحالفاتها الاستراتيجية في المنطقة. يبحث فؤاد عن شبه للحاج كمال في ملامح إحدى الفنانين أو الممثلين التركيين الذين غزت مسلسلاتهم التلفزيون المغربي بفضل الدبلجة اللغوية المغربية، وبالتبع غزت حواسه ولحظاته اليومية. تبدو الصورة مثالية وتشبه لقاء مخرج فيلمٍ مع جمهوره المشاهد ومحاولة سؤالهم عن سر الحقيقة من الوهم أو الخيال الذي بنى به أحداثه. قد يخافون من هدم ما تلقوه وأعجبوا به. في بعض الأحيان، كان فؤاد ينزعج كثيرا حين قراءته ذلك التعليق في بداية لفيلم او نهايته:
أي تشابه بين القصة وشخصياتها مع أشخاص واقعيين هو بمحض الصدفة.
قد يعلق في حديث مع مجاوره أو محاوره في المنزل أو في المقهى:
ـ يعرون الواقع ويتملّصون من فعل التعرية. بحال (التقرشيلة في القفا)، تضربه وتقول والله ما أنا.
ربما يضحك محاوره أو مجاوره، وربما تبقى قهقهات فؤاد الخفيفة مؤنسة لاحتمالات تفاعلاته مع الشاشة.
كان اللقاء بمقر الحزب الذي يفخر الحاج كمال بالانتماء إليه (Adalet ve Kalkinma Partisi).
يلج الباب الرئيسي، تنشرح أساريره وهو يلج باب الزجاج الرئيسي. يرفع بصره ليُملّيَ نظره بالزخرفة ثمانية الزوايا التي تتخلل المربعات المتصدرة لوسط المبنى وواجهته الأمامية. ألف عدّ طوابق المبنى السبعة. هذه المرة، كانت مضامين التقرير هي التي تشغل ذهنه.
يفخر الحاج كمال بانتمائه الحزبي داخل شبكة الهويات المختلفة، وداخل أسلاك التاريخ الشائكة والتي اجترحت بها الأفئدة والأجيال. يريد أن تكون مدينته انطاكيا نموذجا للتعايش السياسي وللاعتراف بالتاريخ التركي العام. لكنه يريد في نفس الآن أن تتوجه ثقافته العربية الإسلامية داخل هذا المد الحضاري التركي الذي يعرف تأرجحات هرمية بين أسفل وأعلى. هو الآن يراه متراصّا في التألق الحضاري الجديد الذي سيعيد لتركيا بهاءها المجيد والممتد عبر قرون.
لم يكن اللقاء لتشريح تفاصيل هذا الامتداد الوجداني لانتماء الحاج كمال الحزبي، لكنه مجموعة أفكار عابرة للوعي بشكل عفوي رغم أنها لن تكون هي البذور الحقيقية للسياسة، ولا ما ستحصده من السياسة. قد تبقى سحبا جميلة عابرة لفضاء حقولها صعبة المراس في تحقيق الأمنيات، حتى إذا ما تجاوزت الحدود في الجهات الأربع تبخرت لتبدأ سحب امنيات أقطار أخرى.
كان ملفه الأزرق يتضمن تقريرا عن زيارته الخيرة لبلاد المغرب. تشرَّف بالمهمة الجديدة التي أصبح يتقلدها والتي يعتبر نفسه سفيرا فوق العادة فيها. ذاتيا، الحاج كمال من أصول علوية قديمة استقرت منذ قرون عديدة بانطاكيا. كان مبرر الأجيال مع التحولات في الحكم تحت ذريعة راية الإسلام. والآن، يشعر بأن مشروع حزبه الذي ينتمي إليه سيعيد هذه الأمجاد و سيرمم هويته و تاريخه.
الحلم كبير و الخارطة كبيرة، آخر جملة كتبها التقرير. كانت أهم النقاط التي تضمنها التقرير تتعلق بقطاع التجارة، قطاع التعليم، قطاع العنصر البشري المواكب للإنجاز.
يقرأ المسؤول في الحزب تقرير السيد كمال وتبدو على محيّاه ملامح هدوء وابتسامات. لم يرفع عينيه من الصفحات الإحدى عشر إلا حينما انتهى من آخر سطر فيها مع الجملة التي نطقها مكررا لها جهرا:
ـ الحلم كبير والخارطة كبيرة.
ـ جميل هذا التقرير سيد كمال. إن حزب العدالة والتنمية يفتخر بالمجهودات التي تقومون بها. هذه الدقة وهذا الضبط، وهذه العلاقات المتينة التي تحقق نجاحات غير متوقعة في مشروعنا. كل هذا مدعاة للفخر. تعلم أن مسؤولياتنا أصبحت بحجم كبير جدت. وكلنا يضحي بوقته وجهده من اجلها. إنما ما باليد حيلة، مسؤوليتنا مسؤولية الأنبياء. ما استطاع محمد صلى الله عليه و سلّم النجاح في دعوته بسهولة.
ـ صلى الله عليه و سلّم.
ـ هل يمكنك حاج كمال أن تضيف لمهامك مسؤولية جديدة؟
ـ مثلا؟
ـ السهر على انتقاء شباب جدد للمشاركة في مشروع التغيير في بلاد الشام. تعلمْ أن هذه الأمانة لا نجعلها إلا لمراكز القيادة الأمنية. والحركات الإسلامية في بلاد المغرب غنية بخطابها الجهادي. كما أن سياسة البلاد هناك تتماشى مع المشروع الدولي الذي يتوخى تغيير النظام في بلاد سوريا على الخصوص. مئات الشباب استطعنا إيفادهم من هناك، وكل واحد منا يبحث عن الإضافة في هذا الشأن. وكل هذا لن يؤثر على باقي المشاريع التي نقيمها هناك. بل إننا كما تعلم نصرّ على عدم جعل علاقة ظاهرة تجمع بينها. سياسة تركيا وحدها، والسياسة الدولة وحدها. هذا شعارنا.
ـ ما زلت أتذكر خطاب الزعيم أحمد داود أوغلو لسنة 2009: نعم نحن العثمانيون الجدد. ونجد أنفسنا ملزمين بالاهتمام بالدول الواقعة في منطقتنا. نحن ننفتح على العالم كله،، حتى في شمال إفريقيا.
ـ يسكنك حلم أنطاكيا، حاج كمال. مداواة دول الجنوب عمليات قيصرية ضرورية. للأسف لا نمتلك خيارات أفضل.
ـ أنطاكيا الآمنة، أنطاكيا الحالمة، تضررت كثيرا من الصراع في الجنوب. أتمنى أن تحصنوا المدينة من كل فوضى. يحفظ التاريخ ذكريات أليمة للتطورات الحضارية بها. ربما أنطاكيا هي رحم الولادة والوجع، والألم طبعا. سأسافر غدا إلى أنطاكيا، وأريدكم طبعا أن تجعلوا توصيات تحافظ على مشاريعنا هناك. تعلمْ ان مناخ الحرب يفرض اقتصاد حرب موازٍ له.
ـ لا تنس حاج كمال أن تتصل بقسم الشؤون الثقافية والأثرية في أنطاكيا. هناك تفاصيل تدبير وعمل جديدة. كنت أود أن أعزمك اليوم لكنني ملزم بالسفر هذا المساء إلى إسطنبول.