عارية من العهر
(حسن إمامي)
سيكون الحديث عن اللغة و اللسان، هذا الذي يتلبس بألفاظ اللغة فيجعلها مسربلة داخل أصواته. و ستكون اللغة هي تلك المرأة التي أرسمها جسدا عاريا، و ما العري برذيلة. متى يكون العري طهارة الولادة الأولى أو إعلانا عن صفاء سريرة، و متى يكون العري سموا عن الغريزة إلى مساعدة الذهن على التفكير السليم، ما دام التفكير منطلق السلوك.
في لغتنا اليومية و المعاصرة، نجد أشكال خطاب متعددة و متنوعة. نجد اللغة لغات متضمنة لشتى أنواع دلالات، و قاصدة لتحقيق المصالح، و موجِّهة السلوك لتفاعل و تواصل و فعل يحدث الأثر. سيكون هذا الأثر هو وقع العالم و حياة البشرية و الإنسان.
فكم من تطهير تحتاجه اللغة لكي نصل إلى درجة عري كاملة؟ عري يجعل توازن الذات مع قيم العالم المنشودة في الرقي بوضعنا البشري الذي لم يعد يشرف جنسنا في الوجود و التواجد، و الذي يجعل شرعية محاكمتنا داخله بشتى انواع المرافعات و المحاكمات الشاهدة و الغيبية، دلالة على احتفال الفلسفة و الأدب والعلم بقضيتنا و منتوجنا اللغي و السلوكي.
أن يكون العهر هو ذلك الداء الذي نُراقص به جرائمنا و جروحنا و آلامنا وابتساماتنا الصفراء، أو أن يكون هذا العهر هو سياستنا التي ندبر بها حياتنا اليومية الفردية و الجماعية، أو أن يكون هذا العهر هو درجات التلوث التي تعتم الحقيقة و تغيّب العدالة و تعدم فرص السلام و التسامح و الحب بين أفراد البشرية، فذلك هو مدلول العهر الوقح الذي أصبح قرحة تؤلمنا مع كل طلعة نفَس و تنفس.
و للأسف قد نجدنا نلصق الكلمة و المصطلح بالمرأة، نسقط عليها القبح و النحس و قذارة الفعل و السلوك كلما خالفت توافقاتنا. ننسى مساهمة الرجل في كل ما وقع و يقع. هكذا نلفق مسبقا التهمة باللغة و الكلام و اللسان لكائن استطعنا أن نجعله ضعيفا تابعا. كلما اختل أمر الوجود جعلناه السبب و المسبب. و لنتأمل اتهامنا للمرأة بكونها سبب الخروج من الجنة. و كيف يسقط الرجل فشله على الجنس المكمل له. كيف يجعل الحب الذي لم يستطع التعبير عنه أو الارتواء به مشاعريا و وعيا و رغبة متكاملة موضع جهله و قفص اتهامه للنقص الوجودي العام.
حتى في أبسط سلوكنا العامّ المضحِك هذا، في تلك الصورة السينمائية و الإعلامية التلفزيونية و غيرها، كم من مرة نبرهن على إسقاطاتنا و على تفاوت القيم وتحققها و على تمييز جنسي و طبقي مرتبط بالجسد و بالعري مثلا كأقصى درجات التشفي لهذا التفاوت و هذا التسلط و هذا الإسقاط. و قد يكون السبب رجعيا و نكوصيا، يجتر التاريخ و الماضي كمتلازمة وجود زمني و حياة موضوعية مرتبطين. سنعطي المثال في ثقافتنا اللغوية الإعلامية العربية بصورة لممثلين مصريين في درجات تعرّيهما و تعبيرهما الجسدي:
ـ المثال الأول من السينما مع ممثل رجل ( رشدي أباضة )، و ممثلة انثى، لنجعلها مريم فخر الدين. لنجعل لعابها يتماسك كذكر و انثى و لنتذكر ان جسد الرجل يظهر في سروال سباحة قصير و ملتصق، بينما جسد المرأة يظهر في حدود مفاتن لا تتجاوزها إلى درجات عري الرجل. و التتمة من عقولكم و عقولنا جميعا.
ـ المثال الثاني و الأمرّ سيكون من مشاهدة مسلسلاتنا التلفزيونية الحالية. و سنركز على ظاهرة المسلسلات الخليجيية كظاهرة. كيف يكون الممثل الخليجي ظاهرا ومرئيا و معبّر بدرجات اختلاجه المادي و النفسي و المعنوي و الرمزي، بينما حين نبحث عن المرأة الخليجية المشكّلة لنصف المجتمع نجدها معوَّضة بنظيرتها الشامية أو العراقية أو المصرية أو المغاربية... تؤدي أدوار المفاتن و التمظهر الجسدي و التعبير الشعوري و السفور المطلوب و المرغوب رغم أنه مقيس بدرجات التحكم الأخلاقي و المنظوماتي الثقافي و السياسي العام داخل هذه المجتمعات...
ملاحظتان تؤثثان هذا التحليل لكي نبين من خلالهما أننا نمارس عهرا ثقافيا وسياسيا عاما في سلوكنا الإعلامي و الإبداعي. حتى إذا انتقلنا لتحليل ظاهرة العري اللغوي عالميا أمكننا أن نلاحظ تمظهره و تطبيقه بامتياز داخل خطاب الدول المهيمنة في إسقاط على الدول الضعيفة و الخاضعة لمصالحها و تهديداتِها.
هكذا سنتحدث عن عهر الكلام الذي يخندق الإنسان المشرقي أو المسلم داخل خانة الإرهاب و التخلف الفكري و القصور السلوكي. و هي خندقة تميّز عنصريا بين من يعيش داخل مدنية و حضارة و بين من يأتي من وحشية غابوية. تمييز يبحث له عن شرعية خطاب إعلامي و ممارسة سياسية و تواصلية تتغلف بالقيم النبيلة في الاحتماء و في الإسقاط. عملية غش ترسمها نظرة السياسي حينما يعتلي منبر صحافة أو مؤتمر أو سفينة حرب ما.
باختصار التحليل و الكلام:
كيف نستطيع التخلص من عهر جعلناه مقدسا في خطابنا و كلامنا، غلّفناه بثقافة، وضلّلنا به الحقيقة؟
كيف نجعل الحديث عن العري سباحة في نهر صافٍ و طهارة من أدران الكلام وابتعادا عن ملوثات الحياة؟
و كيف نسوق أسئلة جديدة تخدم الجميل في مقصد لغتنا و تواصلنا؟
وكيف نجعل المدنية و الحضارة خالصة من شرنقات ذئبيةٍ؟
تلك تأملات صباح جديد منتظرة و مأمولة.