بين التاريخ والذات؛
قراءة أولية في أعمال (حسن إمامي) الروائية
د. محمد دخيسي أبو أسامة
تقديم
جاء في إحدى فقرات رواية (شجرات وخرائط) للقاص والروائي حسن إمامي قوله:
"ما دام بحثا في الشجرة وفروعها المتطورة وتوظيفاتها المتشعبة حياتيا؛ فلا بد أن يجعل أساس غرسها أصيصاً معتنى به ومكتملا في مواصفات الرعاية لشجرة قد تكون في حجمها أكبر من إطاره."[1]
قد يكون التورط في فعل الكتابة السردية أمرا مستساغا حين نتغلب على الظواهر النفسية والحياتية، ونفضي بالذات إلى محكيات قديمة ذات بعد شخصي؛ يدرج في السيرة أو التخيل أو التمثل أو غيرها.. لكن حين نقارب المفهوم ونراقب الواقع ونترقب الذات ونقترب من الماضي التاريخي فذاك بعد وظيفي يتحدى الكائن إلى الممكن..
الشجرات، أو الخرائط حين تتراقص بين أقفاص الماضي، وتحول القرية تاريخها من سلطة عامة إلى رمز من رموزها أو تصرخ المصابيح منتفضة ضد القهر والحرمان والتيه التاريخي و و و .... فإن حسن إمامي يستسلم لكل فعل سردي ويتخلف عن ركب الذات، ليسيخ بركبه في تاريخ شخصي غير مكتوب، تاريخ أمة ما زالت تنبش بحفرياتها في صلب الواقع، وتتمرس على كل الممكنات لتخترق فوضى الحواس والحواس الفوضوية للممارسة فعل الكتابة السردية الغير الممكنة.
1- التاريخ فعل وممارسة:
ماذا لو اشترك المبدع والمؤرخ في كتابة تاريخ أمة؟؟
سؤال الهوية، وسؤال الجذور: حيزان من البحث قد تسعفان الإنسان في إدراك محيطه؛ سواء بالفعل القوي أو الحضور التلقائي. ويكون البحث في حقيقة كل منهما مرتبطا بإدراك المؤلِّف لمستويات وجودها.
أستهل هذه القراءة بما جاء به ابن خلدون في تعريفه التاريخ إذ هو : "اِعلمْ أنه لما كانت حقيقة التاريخ أنه خبر عن الاجتماع الإنساني، الذي هو عمران العالم، وما يعرض لطبيعة ذلك العمران من الأحوال مثل التوحش والتأنس والعصبيات وأصناف التغلبات للبشر بعضهم على بعض، وما ينشأ عن ذلك من الملك والدول ومراتبها، وما ينتحله البشر بأعمالهم ومساعيهم من الكتب والمعاش والعلوم والصنائع."[2] وهو مبدأ يقترب من كونه فلسفيا يتأمل في وضع الإنسان/ الماضي واجتماعه أكثر من الدخول في مجال تأريخ الحروب والنزاعات والصراعات بمنأى عن التداخلات التي يشكلها الفعل الإنساني. كما أن التاريخ لا يحمل بصمة التسجيل فقط، بقدر ما يتجاوزه حينا إلى التحقيق والتحقق والتحليل والتعمق. لذلك قد لا نلجأ كثيرا إلى التاريخ المكتوب فقط، باعتبار ركونه إلى الرسميات في غالب الأحيان، أو توجيهات وتوجهات كبرى.
يتساءل حسن إمامي في نهاية روايته (قرية ابن السيد) بقوله: "تلك خفايا حيوية لجيوب المقاومة المدفونة في قعر البئر وخلف القمر وبين أغصان فروع الأشجار ... وبين هذه المخطوطات المتنوعة... ذلك تاريخ لم يكتب بعد!!"[3]
وموضوع حديثنا يندرج ضمن تأطير فعل التأريخ لدى حسن إمامي، لنكتشف أن الخط الزمني للحكي يمزج بين فعلين:
أولهما: سرد يتجنب الوقائع التاريخية، فينسج خيوطه انطلاقا من وقائع اجتماعية تسير السير العادي للرواية، ويمكن أن نصوغ هذا النسق انطلاقا من الخطاطة التالية:
الرواية | الموضوع | النسق | الرابط |
قرية ابن السيد | المقاومة المغربية ضد المستعمر حكاية ابن السيد وحفيده ... | الجمع بين الحكي العام سيرة ابن السيد والبحث عن تاريخ المنطقة | البحث في تاريخ القرية انطلاقا من وثائق خاصة و من التاريخ الشفهي.. |
صرخة المصابيح | إتلاف التراث القديم من المتاحف المغربية وتهريبها للخارج | طمس الهوية التاريخية للمغرب | البحث في تاريخ المغرب انطلاقا من تراثه وتحفه النادرة |
شجرات وخرائط | بحث البطل (فحص الخالدي) عن شجرة عائلة زوجته شادية | اهتمام البطل بتاريخ المنطقة انطلاقا من تاريخ عائلة | البحث في التاريخ انطلاقا من الوثائق القديمة (الشجرة العائلية° |
أقفاص | قصة الاعتقال السياسي، و التحرر الذي يلزم حياة الأقفاص النفسية | تاريخ النضال الطلابي وحركته المبنية على التحرر من القيود النفسية والاجتماعية في سنوات الرصاص | البحث في تاريخ الانتفاضات المغربية خاصة ما كان بفعل الاتحاد الطلابي |
ولعل القراءة السريعة لهذا الجدول تبني فرضية التنسيق المسبق الذي يسطره المبدع لتحقيق نتيجة التسلسل والتكثيف القوي لخاصية التاريخ، والحضور المكثف أيضا للذات المؤمنة بفكر المقاومة في شتى أشكالها وفي مختلف توجهاتها.
ثانيهما: سرد تاريخي، يشتغل على الحقائق التاريخية كما سطرتها الكتب والمؤلفات التي تهتم بهذا المجال، إلى جانب تاريخ لم يكتشف بعد وقد نبحث عنه من خلال: