الكتابة القصصية بين الذات و الموضوع:
لعلنا نريد بشعار الدورة أن نتطرق للمقاربة الفلسفية التي تتناول موضوع الذات في علاقتها مع الموضوع، باعتبار الموضوع (: هو الشيء الموجود في العالم الخارجي، وكل ما يُدرَك بالحس ويخضع للتجربة، وله إطار خارجي، ويُوجد مستقلاً عن الإرادة والوعي الإنساني.)
و من هذا المنطلق فإن الرؤية الشمولية ستكون حاضرة في مساءلة الكتابة القصصية ومدى إحاطتها بالقضايا الوجودية و الحياتية و الظواهر المركبة في الكون و الطبيعة والحياة البشرية المركبة و المعقدة.
ربما نريد أن نحمّل الكاتب للقصة أكثر من طاقته، لكننا داخل رغبتنا نطالبه لكي يقترب أكثر من القضايا الحساسة و المصيرية للبشرية و الحياة المادية و التاريخية والفيزيائة والبيئية ـ لمَ لا ـ لهذا الوجود.
لكن المتمعن للنصوص المكتوبة يجد حضور هذا التفاعل بشكل موضوعي بين الذات والموضوع. ذلك أن الكاتب يمكننا أن نقسّمه إلى الإنسان الذي يعيش في دائرة وجود وبيئة و ثقافة، و إنسان يتناول مهمة الكتابة فتحكمه ظروف اللحظة و مؤثراتها في تناوله وإنتاجه لنص من النصوص. و بمعنى آخر فإن المرحلة التاريخية تحكم على النص قبل أن تحكم على صاحبها و كاتبها. هكذا تظهر لنا هذه الذات ذواتٌ بين الثابت فيها و عندا والمتحول فيها وعندها كذلك. إننا أمام متعدد في واحد إذن، هذا القاص المبدع و الكاتب للقصة.
يمكننا أن نراه من خلال سياقه البيئي و الثقافي و الجغرافي و الطبقي و المهني... كما يمكننا أن نراه من خلال منتوجه كذلك. و بينهما لابد من جعل الروابط المنطقية التي تفسر نسبة التقاطع او التباعد بين شخصية الكاتب و شخصية السارد في آن... رؤية معقدة تختفي داخل لعبة سحرية و لتي هي لعبة الكتابة طبعا.
و بين الذات و الموضوع تتموقع الكتابة و النصوص المنتَجة لتكون ذلك الجسر الذي يترجم و يصور و يفسر و يحلل و يفكك و يقوم بمجموعة الأفعال الممكنة و الممكن ترصدها وملاحظتها... و ستكون هذه مهمة النقد في تشريحها و إظهارها إن استطاع لذلك سبيلا.
لكن الكتابة تبقى عالما متفرّدا بالقوة و لوجود. فمنذ القدم و منذ ترسخ فعل التفكير والنقش و الكتابة و التجريد، خُلِق هذا العالم الغريب الذي هو عالم الكتابة. معايير الجمال والتخييل و الافتراض، كلها خارج الموضوع الحقيقي و المادي للأمور، لكنها تعبّر عن وجود تجريدي افتراضي يصبح حقيقة كاملة و واقعة يعيشها هذا الإنسان بوعيه و لغته و تعبيره وثقافته العالِمة... لم نستطع أن نُنطق الطبيعة و الحيوان طبعا بلغتنا المفهومة و الحسية الواضحة، لكن كما طرح أحدنا لماذا لا نفهم نحن لغة النحل؟ و حينما سألوا الطفلة عن سرّ السؤال، قالت لهم: كيف تسمّي النحلة الوردة التي تختارها دون الأخريات لتأخذ رحيقها وعطرها وماءها؟ سؤال يثير الضحك لدى الكبار، لكنه يقلق بال المفكرين و الفلاسفة، وأكيد أن سيثير فضول المبدعين في عالم القصة كذلك لينسجوا طريقا لاستنطاق النحل واستلهام لغته و التعرف عليها...
اسمحوا لي بهذه الرحلة العجائبية المنقولة من اهتمامات مبدعين آخرين. أعود لثنائية الذات والموضوع لنؤكد على حضورها التفاعلي و البنيوي في كل كتابة و كل تجريب قصصي... يبقى التناول منهجية فصل لفهم ذلك الوصل بين الطرفين الذات والموضوع... و كم من مواضيع يقاربها النص الواحد؟ و هل الموضوع سيكون مستقلا عن الذات أم داخل مكوناتها و مشاعرها و أحاسيسها و عواطفها و أفكارها؟
أي وفاء و أي نزاهة و أي التزام مطلوب في العلاقة بين الذات و الموضوع؟
أية درجة من الموضوعية مطلوبة في مقاربة الذات و إنتاجها للنصوص؟
ربما يبقى الأديب هو الأكثر امتلاكا لقدر من الحرية و الخيال. ربما يحتاج للدفاع عنهما قدر الإمكان حتى يستطيع الاستمرار في الإنتاج الجمالي المبدِع للفن و الأدب والموسيقى والرقص و كل أنواع الجمال.
ربما سننتصر على القبح بالجمال، و على اليأس بالإبداع، و على رتابة الوجود بجنون الخيال. أكيد هي رسالة كل كاتب و كاتبة في بناء دلالات جديدة و دساتير كونية جديدة بين الذات و الموضوع.
هكاذ يكون لقاؤنا تأسيسا لهذا التصور الجميل الذي يجمع قلوبنا و حواسنا وابتساماتنا قبل الأقلام التي نشرع بها للحرف و للخط و للمتون.
تحية قصصية لكم و لكن جميعا. دمتم في رعاية الجمال و الإبداع.
حسن إمامي