في حديث عن اللغة و المقدس، بحث عن جذور قديمة و عميقة في تاريخ النفس البشرية و سلوكها الواعي المرتبط بالعنصرين. و في تساؤل عن بدايات اللغة و المقدس في التشكل و الظهور نقع مباشرة في شباك الإشكاليات التي قامت تاريخيا حول الظاهرتين: اللغوية و التقديسية.ـ
فماذا ستكون الظاهرة اللغوية؟ و كذا التقديسية؟ و ما الذي يجعل الظاهرة اللغوية ترتبط بالتقديسية و تلازمها في الظهور و التطور و التحقق؟
منطلق أسئلة يحتاج إلى منهاج تناول يحدد ما نريده من هذا المقال طبعا. لكن ما هو أكيد انه كم من قارىء لهذه البدايات يغطس في بحر هذه التساؤلات العامة الأولى. ونحن كذلك سنكون غاطسين معه داخلها وباحثين عما يفسر جواهرها الدفينة ـ أهمية الرجوع إلى تعريف المقدس و مفهومه داخل حقل التحليل النفسي مع فرويد و ينغ مثلا، و داخل حقل علم الاجتماع ابتداء بدوركهايم، و حقل الدراسات الانثروبولوجية مع إلياد و غيره )ـ .ـ
هكذا سننتقل للحديث عن مبتغانا من هذا المقال. عن مدى استمرار تأثير عمل المقدس في فهم و استعمال اللغة إلى يومنا هذا. كلذلك عن مدى اشتغال اللاوعي الإنساني عند البعض أو الجل في توريط اللغة داخل المقدس و العكس كذلك.ـ
في ملاحظة الواقع الحالي، ما نزال نرى حضور المقدس في تشكلاته المختلفة بين المعتقدات و الفلسفات و العادات و التقاليد، أكانت خرافية أو غيرها. و لعل سحر الاستمرار يتمظهر في تملك اللغة و استعمالها كخطاب و شعائر و نصوص بالأساس و تحاليل و قصص و روايات...ـ
استعمال اللغة تحكمه رموز متنوعة و منابر عدة و مؤسسات مختلفة تتوزع المهام فيما بينها. استعمال أقل ما يمكن قوله حوله انه حضور وجودي به يتم التفكرو التمثل و التصور و التجريد للواقع من أجل إعادة صياغته بنيويا داخل نسق حروف و كلمات منطوقة أو مكتوبة أو مرموزة...ـ
هكذا يكون للغة دور في تفسير الحياة و الحركات و الأشياء... و ربما معادلة العنوان عند ميشيل فوكو ( الكلمات و الأشياء) تسعف في تصوير هذه العلاقة الثناية بين اللغة و المادة و الواقع الذاتي و الموضوعي...ـ
لو كانت هذه الدراسة اكاديمية لاحتجنا معها طبعا إلى سرد التعاريف المختلفة و المقارنة بينها حول اللغة كما حول المقدس... لكنها مقاربة تريد الإشارة الملمّحة لتداخل اللغوي مع المقدس في الحضور و التفاعل المتبادل في التأثير و التأثّر.ـ
هناك ملاحظة قد تقترب إلى التفسير السحري الذي يؤثر و لا يُرى. يحدث سببياته في خداع للحواس. يمتلك الخفة التي تتجاوز قدرات المتقلي في التقاط المشهد و فهمه، فلا يمتلك حينئذ سوى التصفيق و التسليم بالخوارق اندهاشا و تعبيرا عن عجز في التحكم فيما يتلقاه بعقله و منطق معالجته للأمور. إن ذلك هو ما نحاول ضبط وقوعه في تعامل المستعمل للغة مع المقدس. ذلك الذي يؤمن بالمقدس او هو مهيأ بفعل التربية و التكوين على تقبُّله كمقدس بفضل عامل اللغة التي تمارس سحرها و تختزن في لا وعيه عمليات القبول و التقبل لكل ما يرسله المقدس لفرده و ذاته، حيث لا يحتاج إلى منطق أو عمل حواس او تمييز بين الممكن و المستحيل في جل مضامينه...ـ أكيد أن مناخا ملائما يجب أن يكون مهيأً لمثل هذه العمليات التي تشبه التركيب الكيميائي الممزوج بمقادير و الذي يتم داخل المختبرات. لكن هذه المختبرات ستكون مناخ و أجواء حياة أسرية و اجتماعية و مدرسية و دساتير قيمية و قانونية و عاداتية و أعرافية تمتثل لها كل جماعة كيفما كان حجمها.ـ
سوف نطرح سؤالا بدا لنا خلال عملية التحليل هاته، يرتبط بصيرورة المقدس عبر التاريخ الإنساني، و كيف استطاع أن يتشكّل و يتشرنق عبر مختلف مراحل تطور الوعي البشري، محافظا على تواجده و شرعية الاقتناع به عند معتنقيه و مبجليه؟ و رغم تطور العلم اليوم و ظهور الحقائق الموضوعية و التفسيرات المنطقية و العلمية لمجموعة من الظواهر النفسية و الوجدانية و الروحية و الطبيعية و غيرها، ما يزال فارضا منطقه و رؤيته و نسقيته القدسية و التي قد تكون غيبية بحكم ربطها بالوحي الماورائي، أو أسطورية خرافية بحكم ربطها بالحكايات و الأساطير المسجلة في الموروث الذهني الإنساني، أو عاداتية نقلها جيل عن آخر احتراما و تسليما بصلاحيتها و فعاليتها في أسلوب و دروب العيش اليومي و المناسباتي الفردي و الجماعي...ـ