في مرافعة تاريخية تنتصر للضمير الحي، يرى الكاتب وا لإعلامي ( إدوي بلينيل) في كتابه من أجل المسلمين و بترجمة عبداللطيف القرشي، أن التوظيف الإديولوجي و الخلافي الخادم للمصالح الطائفية او الدينية المؤسساتية الضيقة، كان له دور في تشويه حقيقة مقولة ( الدين أفيون الشعوب ). كما كان له توظيف في هذا التشويه.ـ
سنرافق الكاتب في سرده و ملاحظاته قبل ان نعود للاستنتاجات الخاصة التي يمكننا ان نسجلها كمنطلق جديد ـ قديم.
يرى إدوي بلينيل أن مقولة كارل ماركس ( الدين أفيون الشعوب )، لم توظف في سياقها الذي جاءت فيه. و يبين أن رساللة ماركس كانت مختلفة تماما : { إنها ليست دعوة لإعلان الحرب على من يُشهرون معتقدهم صص 88/89الديني، و لكنها دعوة للإنصات إلى المعاناة التي يشكِّ الديني حضنها، حتى و لو كان حاضنا وهميا}.ـ
هكذا نجد المقولة الماركسية داخل ( مقدمة لنقد فلسفة الحق عند هيغل ) : المأساة الدينية هي ـ في الوقت ذاته ـ التعبير عن المأساة الحقيقية و الاحتجاج ضد هذه المأساة. الدين هو شهقة المخلوقات المضطهدة، و روح عالم بدون مشاعؤ، و هو أيضا روح ما لا روح فيه. الدين أفيون الشعوب.( صدر النص سنة 1844)ـ
في رؤية هذه الفقرة نلاحظ التفسير الذي خضعت له و خُصّت به الظاهرة الدينية. حيث لم يكن عداء أعمى يُطبَّل له في معاداة إيديولوجية، بل كان تحليلا عميقا يحاول فهم الظاهرة و التعرف على مختلف العناصر المتدخلة لاستغلالها. إن قول ماركس ( الدين شهقة المخلوقات المضطهدة)، يدعونا إلى التبصر بمرايا التاريخ. و إن كان وعينا و ذاكرتنا كشعوب تنتمي لعالم البحر الأبيض المتوسط، فإننا سنترك القوس مفتوحا لكي يقارن وضع البشرية بعناصر هذا التحليل.ـ صص 88/89...ـ
بالعودة إلى أقدم رسالة، و ربما يمكننا العروج مع الزمن جيئة و ذهابا بين الحاضر و الماضي و بين مختلف المحطات ، متنقلين في جرد الأمثلة دون التزام كرونولوجي مرتبط بظهورها في سياقاتها، سنجد مثلا مع الديانة الموسوية دور الدين في إنقاذ طائفة بشرية من اضطهاد فرعوني قبل حوالي خمسة و ثلاثين قرنا (3500 سنة)ـ. و كيف تعطشت الشعوب لمثل هذا الإنقاذ من جبروت كبير و ظلم ساحق. و بالرجوع إلى القرن السابع الميلادي، سنلاحظ أن انتشار الإسلام رافق ضمنيا كذلك وجود ظلم ممارس على الشعوب. و أن رسالة الأنبياء كانت في نجاحها مرهونة بحب هذه الشعوب. و وضع منظومة قيم جديدة تنشد العدالة وا لمساواة، و تعطي النموذج المغاير للطاغية و المتجبر. سنترك جانبا نقاش الجدلية التاريخية التي أفرزت التطور و الانتشار الجغرافي للإسلام، لكي نبقى مع مشاهد القابلية السلمية لاعتناقه و التي لم تكن مع أفراد فقط، بل تجاوزتهم إلى جماعات، بدءا بقبائل داخل شبه الجزيرة العربية، ثم امتدادا إلى اماكن تعطشت لحرية جديدة و حقوق آمنة.ـ
و بالعودة إلى مقولة ماركس، و التي زامنت اكتشاف أوربا لأنواع مخدرات جديدة في العالم مع توسعها الاستعماري، كان توظيف الأفيون في تشبيه يقرب وظيفة التدجين و الاستبلاد التي يقوم بها الساهرون على شؤونه من أجل استمالة و إخضاع الشعوب للخطاب الديني، و الخطاب الديني الأوربي بالأساس و الذي هو خير نموذج لهذا التدجين الممارَس.ـ
يتابع بلينيل إدوي* سرده لفهم كارل ماركس للعبارة و سياقها بقوله : إن ما يقوم به الناس مجتمعين اهم مما يعتقدونه منفصلين، فيقبلهم كما هم، و بالخصوص إذا لم يكن لديهم، في إطار الإصاء الاجتماعي الذي يعيشونه أي ملجأ غير هذا المتنفّس الديني.ـ
سينقلنا الكاتب للتحدث عن السياق الثقافي و السياسي الفرنسي لكي يعالج الظاهرة، و نحن سنعود لسياق الحديث عن العالم الوجداني و كيف يستغله البعض لاعتقال الإنسان داخل منظومة مرجعية تبرر استغلاله و اضطهاده و التجبر عليه، بل تفرض عليه الطاعة الاستعبادية و الخاضعة بشكل تنحي معه كل كرامة إنسانية.ـ
إنه مشروع تحرير الإنسان من كل أشكال الاعتقال الروحي داخل العالم الوجداني، سواء كان من طرف مؤسسات رسمية للأنظمة، أ, من طرف جماعات مذهبية متطرفة تريد كتابة تاريخ أحمر جديد للبشرية بعطشها السيكوباتي و الباتولوجي الغريب.ـ
هكذا سنتنفس من غبار التاريخ لكي نعود إلى سديم الواقع الراهن الذي يتوعد ب رماد إشعاعي نووي سيسحق كل عناصر الحياة فوق هذه النقطة الزرقاء : كرتنا الأرضية.ـ