قبل الحديث عن العبارة المثيرة و الملهمة للتفكر و التبصر، نشير إلى كون الإنسانية، ممثلة في شعوبها المختلفة و المتنوعة، نشدت جماعات نحو الانعتاق و التحرر. فماذا سيكون معنى هذا الانعتاق و التحرر؟
هو الواقع فضاءات عيش، و آليات تحكم. حينما يخضع الفرد لنظام مؤسساتي ، كيفما كان شكل تكوينه البنيوي، فإنه يتنازل لا محالة عن أنانيته. يؤمن بنسبية تقاطع مصالحه و تحقيق أمنه مع الآخر. هكذا يتشكل بناء الجماعة.ـ
لكن هذا الالتقاء المتقاطع نجده و قد وصل إلى درجة الاختناق، حيث الجل أصبح يطلب تغيير موازين التحكم في هذا البناء و التسيير للجماعة المؤسّسة. كثيرة هي الشعوب التي عانت من الظلم و الاستغلال، و من النفي و التشريد، و من الاستعباد و السبي، و من القتل و التجويع و التنكيل... كثيرة هي إلى درجة انها أصبحت تبحث عن الحلول الواقعية و غير الواقعية، من أجل أن تخرج و تنعتق من أغلال ظلم و استبداد و استغلال.ـ
أصبحت اعناقها مشرئبة و متعلقة باب السماء، بالإله الذي يخلِّصها من محنِها، و يحرّرها من عذاباتها. هكذا سنعطي أمثلة لتجاربها مع الرسالة الإسلامية، و كيف كان تعطشها لمشروع جديد يحررها من أغلال سياسة جائرة و غير عادلة. وجدت في شعارات الإسلام خلاصها، و انتظرت ساعة الفرج و البديل. و هي حينها لم تكن قادرة على الثورة و التحرر. أو لم تكن مهيأة له بشروط موضوعية مناسبة.ـ
ثم سننتقل إلى أمثلة نقيض، تتجلى في رغبة شعوب في الانعتاق من أغلال دينية استغلهتا إلى حد الاستعباد التاريخي. تجلى في نظام الإقطاع و فيما ارتبط به من سياسات جائرة و جرائم ظالمة باسم لمقدس.ـ
هي إشارات تفتح أقواسا للعقل، و لا تعطي تفاصيل تاريخية، نظرا لكثرتها و تجليها و سهولة استحضارها.ـ
فكرة الانعتاق و التحرر، هي إذا منطلق اشتغالنا على موضوع أغلال الوجدان. ما دامت الحياة الوجدانية هي المعنية بهذا التناول و التحليل. و فكرة تصحيح مفهوم و سياق العبارة و توظيفه بشكل إيجابي للعصر الذي نعيش فيه، هي التي دفعت لهذا التناول. ذلك أننا في حاجة إلى مفهَمَة جديدة لمجموعة من المقولات و الفلسفلات، من أجل تحرير الشعوب و انعتاقها. و هو انعتاق من أغلال جديدة أصبحت مؤسسات كثيرة تتحكم في وجدان الشعوب الإنسانية بها. لم تعد مرتبطة بالمقدس فقط، بل تعدَّتْها إلى سياسات و إيديولوجيات و شبكات تحكم إعلامي و سبق في غزو العقول، حتى تبقى خاضعة و سائرة على نفس خط الوعي المرسوم لها. لعبة يتحكم من خلالها صاحبها في الآن بما هو آت و بما هو قد فات.ـ