Overblog Suivre ce blog
Editer la page Administration Créer mon blog
Le blog de mondevenir/imami hassanإمامي حسن

)1(اسلام مارسيل

, 00:01am

 

حيى علي طاقم شاحنة النظافة بإشارة من داخل حديقته الصغيرة أمام المنزل. رد عليه كالمعتاد الملتفت لإشارته بابتسامة وتلويحة سريعة. اخذ علي قمامة النفايات إلى داخل الحديقة.عاد وراء قمامة جاره مارسيل.نظفها بالماء من صنوبر حديقته مستعملا مكنسة خاصة بذلك.ترك وعاء قمامته مقلوبا فوق عشب الحديقة، وأعاد وعاء قمامة جاره إلى باب منزله المجاور، ثم دخل إلى منزله قاصدا الحمام لتنظيف يديه بالصابون ، ورش وجهه ببعض الماء زيادة في الاستيقاظ.

  ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نادى على زوجته فاطمة لتعد كاس شاي.فقد تعود على شربه بعد الفطور الصباحي بنصف ساعة أو أكثر.عمله يبدأ بعد الزوال، لا زال عنده متسع من الوقت ليقرا بعضا من آيات القرآن والذكر الحكيم.حين انشغال فاطمة بمطبخها وعالمها الداخلي الذي لا يعرف عنه إلا رائحة الوجبات الشهية التي تقدمها له زوجته كل يوم، رغم انه يساعدها في بعض اوراش المنزل خارج المطبخ ،كمسح غبار الأثاث وزجاج النافذات والدواليب. كم عزيز عليه أن يرى كل شيء نظيفا لامعا.فتلك صورة منزله من الخارج كذلك التي يريد حتى لوعاء نفايات جاره أن يكون على حال منها. بل حتى حين ركوبه الحافلة أو المترو لا يحب أن يرى أثرا لغير النظافة أمامه.يأخذ منديله من جيبه ويمسح دوائر ومحيط الكرسي أو زجاج النافذة التي يجلس بجانبها.قد يلتفت احد ما أو سيدة ما بسرعة لملاحظة سلوك علي، لكن لا انعكاس على محيى جلهم.الكل متسمر في كرسيه منعزل عن الآخر منشغل بمجلته أو جريدته...

رن الهاتف.بجانب الأريكة مد يده لأخذ السماعة.كان حدسه يعلم ان يوسف ابنه الوحيد سيكلم أبويه في هذه اللحظات من يوم الخميس.فقد تعود على تحية أبيه وأمه صباح يوم كل خميس:

ـ صباح الخير أبي العزيز

ـ صباح الخير ابني كيف حالك

ـ بخير الحمد لله. وأمي كيف حالها؟

ـ الحمد لله

ـ كيف بقيت مع أوجاع الأمعاء؟

ـ لقد وافقها الدواء الذي وصفه لها طبيب الأسرة. الحمد لله، إنها في أحسن حال تنتظر حضورك لتعاود تناول الدهنيات العزيزة عليها، مستغلة الترحاب والاستضافة.حشومة ما تزيد ليدام في الطعام.

ابتسم يوسف لكلام أبيه الذي جعله منشرحا مطمئنا مشتاقا للمجيء من مدينته لوزان السويسرية مكان اشتغاله ودراسته، إلى مدينة ليون مقام والديه.لكن الوقت لا يسمح بذلك في الوقت الحالي.

جاءت فاطمة ببراد الشاي مبتسمة ومسرعة للجلوس أمام زوجها علي مستعدة لمكالمة ابنها العزيز عليها. أطلقت تلابيب قفطانها وسرحت شعرها من فوق جبهتها مع مسح حجبناها، كأنها مستعدة لالتقاط صورة تذكارية.

ـ ها هي أمك تريد مكالمتك، لقد وضعت عطرا جميلا قبل اخذ السماعة. هكذا يعلق علي مرحا مدخلا ابتسامة وراء ابتسامة في نفوس المحيطين به.مكثرا للحمد لله في كل لحظة وحين، أكان فرحا أو حزنا، مرضا أو صحة، يسر حال أو عسره....

مسكت الأم السماعة بفرحة ورغبة كبيرتين، مستعدة لتلبية وتغذية عاطفة أمومتها وتسائل ابنها وتباغته في كل مرة بسؤال...:

ـ متى تجيء لنا بعروسة جميلة.تعرف، لقد حلمتها يوم أمس شقراء، بفستان وردي جميل، مبتسمة مقبلة جبهة أبيك... ياك ما درتيها وتزوجت بلا خبرنا؟... لكن يا ابني أتمنى لك سعدا مع مغربية بنت بلادك، التي ستربي لك الأولاد وتحترم دينك وصلاتك.... اسأل اباك الذي خدم عازبا لخمس سنوات وجاء إلى المغرب لكي يبحث عن الزوجة الصالحة...

وتستمر الأم في نسج( إيديولوجية) أمومتها، يشعر معها يوسف بنوع من الحرج لعدم قدرته على توفير جميع وكامل المواصفات والمرأة التي تريد أمه فاطمة له كزوجة... فهو لا زال يبحث عن توافق لذاته مع تجارب صداقاته في الدراسة والعمل والحياة داخل لوزان السويسرية.

ينتقل السؤال عن الصحة والطقس والأكل والاهتمام بالحال في كل الأحوال... ولا تريد نزع السماعة حتى يباغتها زوجها علي:

ـ هات السماعة واسكبي لنا كاس شاي قبل أن يبرد.

يرتاح نسبيا يوسف من شبكة الأسئلة الامومية، وتختصر مسافة الكلام بين رجل ورجل:

ـ إلى اللقاء يا أبي، لاتنساني بالدعاء والرضا.

ـ وفقك الله للصلاح يا بني، ولا تنسى أوقات الصلاة.إلى اللقاء....

  ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يعود مارسيل في الساعة السابعة مساء.يجد دائما قمامة النفايات مباشرة وراء السور القصير فوق عشب حديقته، نظيفا مقلوبا. يدخله الى المطبخ، ويكلم نفسه دائما بصوت تسمعه جدران منزله:

ـ شكرا جاري العزيز علي... بابتسامة تجعله منشرحا بعد يوم من العمل والضجيج في الشارع وفي الحانة التي يذهب إليها لتبادل الكلام وتناول قنينة جعة أو اثنتين يوميا تدفئ شرايينه وتفتح شهيته لوجبة العشاء التي يعدها بنفسه في مطبخه بعد أن غادرنه زوجته لأكثر من سنة ونصف ، مفضلة العزلة في قريتها الصغيرة غرب فرنسا على شاطئ البحر بعد صدمتها النفسية التي سببت لها أرقا حادا جعلها دائمة الصمت باردة المشاعر منعدمة الرغبة الجنسية... ففضلت أن تريح نفسها وتريح زوجها من معاناتها ومشاكلها.

لازالت صورة هيلين وهي في ريعان شبابها وبابتسامتها وجسدها اللامع بجانب المدفئة. في كل مرة يحيي مارسيل الصورة بكاس خمر يتقاطع معها نخب الشرب. لكن فراقها ووحدته تحدث حسرة يعض شفتيه بسببها كل مرة جاهلا الحلول لهذا الوضع الذي أصبحا عليه مارسيل و هيلين.

رغم وصول عقارب الساعة إلى الحادية عشرة ليلا، بقي مارسيل أمام التلفاز وكاس نبيذه متابعا شريطا سينمائيا.هذه المرة كان الشريط لمخرجه العقاد، بعنوان الرسالة. فقد ساعدته الترجمة الفرنسية على متابعة الفيلم والتمتع بإخراجه الرائع. شدت أنظاره المشاهد المتقنة والموسيقى المختارة.ومع متابعة  الشريط: لأجل جاري علي.

لأول مرة تتمثل صورة علي جاره في ذهن مارسيل ولا تفارقه. الشريط عن الإسلام والدعوة المحمدية: هذا دين جاري علي.

لم ينم مارسيل حتى الساعة الواحدة صباحا. فيوم غد رخصة أخذها لتسوية أوراق إدارية خاصة به وبهيلين. لكنه لم يستيقظ في الصباح إلا بعد أن سمع أصوات حافلة النظافة وتحيات علي وصوت القمامة الموضوعة في حديقته. استفاق مارسيل وفتح المنزل فوجد عليا لا زال واقفا يتأمل السماء وطقسها في هذا اليوم الجديد رافعا سبابته مرددا كلاما بين شفتيه لا يفهمه مارسيل:

ـ صباح الخير علي.

ـ صباح لخير مارسيل.

ـ كيف حال العائلة؟

ـ بخير الحمد لله.

ـ علي من فضلك، أريد محادثتك.

ـ طيب، انتظرك حتى تخرج.

مرت دقيقتان،ارتدى فيهما مارسيل لباسا دافئا، وكان مبتسما ومحييا لجاره علي.تبادلا الكلام باللغة الفرنسية. علي  بجهده في الكلام واختيار الجمل المناسبة بلكنة المهاجر وبساطة العامل في التفكير والتعبير، مارسيل كذلك بشكل عادي بسيط، ما يجعله مستعليا في حديثه بلغته الأم: اللغة الفرنسية. رغم ذلك تذوب الفوارق ويحضر المشترك الإنساني اليومي بين الجارين، والتقدير المتبادل بينهما.

ـ من فضلك يا علي، سؤال بسيط:

ـ تفضل مارسيل، أجابه علي بابتسامة متواضعة.

ـ أتساءل لماذا تقوم بتنظيف قمامة النظافة يوميا؟ الأمر يحرجني.

ـ جاري العزيز مارسيل، أنا أقوم بهذا العمل  لان ديني يحثني على ذلك. فقد أوصانا نبينا محمد (ص) بالجار ، وقد كاد أن يجعله وارثا في جاره لولا أن القرآن لم يشر إلى ذلك. فخدمة الجار وحبه من سمات ديننا الإسلامي.

اندهش مارسيل لهذه القيم الحاضرة في مجتمعه الفرداني الأناني. حضرت في ذهنه كل سلبيات المدنية التي أصبح يعيشها الأوربي داخل مجتمعه.

ـ على العموم أشكرك كثيرا على ذلك، وان كنت لا أقوم بمثل عملك ولا اعلم كيف أرد الجميل يا علي. وقد أحببت كثيرا اليوم الذي أهديتني فيه وجبة الكوسكوس .لقد أدخلتم علي فرحة كبيرة وأخرجتموني من قلق كبير. كرمكم جميل جدا .كما تعلم، هيلين قد ذهبت ولم اعد كما كنت من قبل.كما أني لا أستطيع ولا اقدر على عزمك على شيء، بالكاد أتدبر شؤون المنزل الداخلية. شكرا جاري العزيز، دائما أقول هذه العبارة بمفردي داخل المنزل، وأقولها الآن: شكرا علي وعائلته الكريمة.

علي : ـ مارسيل ما أقوم به لوجه الله وفي سبيل الله، عسى أن يقبل الله عملي المتواضع هذا.

   ـ ومتى احتجتني لشيء، أو لوجبة كسكس ، أو إصلاح أنابيب المياه وما يرتبط بها لا تتوانى في المناداة علي.تعلم إن عملي هو صيانة مصلحة الماء في الفندق الذي اشتغل فيه.

 ـ شكرا جزيلا مرة أخرى يا علي.أنا اليوم سأذهب إلى وسط المدينة:   ساحة "الطيرو"، عندي أغراض إدارية بالقرب منها. 

 ـ إلى اللقاء مارسيل.