Overblog Suivre ce blog
Editer la page Administration Créer mon blog
Le blog de mondevenir/imami hassanإمامي حسن

asafar1السفر/الحلم:رحلة إلى الجنة

, 02:41am

السفر/الحلم:رحلة إلى الجنة:

 

 

انحبست أنفاس حميد ثوان معدودة.أخذ بعدها نفسا عميقا متحسرا وعيناه جاحظتان بدون رمش.لم يجد معها رؤية ،داخل ذهنه وأمامهما،تفسيرا لما سمع وما آل إليه حواره مع أبيها.لم يستطع فهم رفضه له كمتقدم لابنته ليخطبها ويتزوجها...هذا الرفض المطلق لهذه العلاقة لا يعكس الود وعلاقة الحب والخرجات العاطفية والآهات التي غمرت أنفاسهما في لحظات من العشق والقبل والعناقات...

ترك المجلس بعد سلام المغادرة وخرج للمقهى رافضا الذهاب مباشرة إلى البيت.تناول سيجارة وجرعات من قهوة سوداء لم يحليها إلا بطوب واحد من السكر،حركه بضغط داخل الكأس وهو الذي يحركه بدوران الملعقة بعد ثوان من تحلل السكر في المعتاد..ربما أصبح هذا السكر هو جواب مرارة أبيها...

لم يعد للمكان ود ولا أنس.ولم تعد للنفس رغبة ولا عشق.تحولت جماليات حميد إلى مظاهر عبس وقلق..وهو يعلم في قرارة نفسه أن ما رغب فيه واستعد له لمدة قد تبخر برفض جاهل ومجهول السبب...

كم من النقود هي موفرة لدي0000هل الحقيبة مناسبة للسفر؟والحذاء؟...؟فجأة أصبحت هذه العناصر هي أنسه الجديد...نهض من كريه وألقى التحية على المعارف داخل المقهى..وخارجها في عودته إلى البيت...

لم تكن الأم على علم بقرار حميد للسفر،وهو الذي  اشترى بعض الفواكه والخضر واللحوم الشهية في الصباح من السوق،لكي يتلذذ بطبخ وعرض أمه لها خلال ما تبقى من أيام هذا الأسبوع الذي أراده سعيد النهاية ما دام قد خطط لملاقاة ذلك الذي أصبح لعينا وعدوا غير مرتقب...

فاجأها السؤال عن ثيابه التي وضعها للغسيل :هل جفت الثياب وأنزلت من فوق السطح؟

ـ ما الخطب؟ سألت الأم.كان القرار واضحا في حدة صوته وصمته بعد كل جواب أو كلام.لم تسأل الأم بعد ذلك عن أي سبب،إنما سؤالها عن وجهة السفر ما دام السؤال عن الحقيبة قد بين لها عزمه في السفر.سؤال لم يكن حميد قد حدد لنفسه جوابا عنه فكيف سيجيب أمه عنه؟ ارتجل تسمية مدينة ما ،لعلها مشهورة وقبلة للسياح من كل قطب.اختارها لسانه...

كم هي الرغبة في أن يكون قد غادر مدينته ..لكن هي ضرورات عدة أرغمته على الصبر حتى الصباح الباكر..لعل أهمها وقت خروج القطار..لكن ما هي الوجهة ؟الشمال أو الجنوب؟وهوالذي يسكن في وسط البلاد...لايهم أي اتجاه،أي اتجاه كان مناسبا في توقيته سيكون قبلة حميد في سفره.لعله يكون خلاصه مما هو فيه.هكذا فكر وخفف من ضغط قلقه على ذهنه وأعصابه.

مع بداية اليوم الجديد وشروق شمسها كان حميد قد أخذ حماما سريعا و حلق ذقنه وارتدى ثيابا خفيفة رغبة في رشاقة جديدة و استبدال ثوب الماضي بثوب السفرـالمستقبل الحاضر والآتي...

كان توديعه لأفراد أسرته خلال الليلة الماضية،ولم ينتظر استيقاظ أحد أفرادها في الصباح.لم يكن يريد أي تواصل يربطه بهذا المكان في صباحه الجديد.خرج مباشرة وقصد محطة القطار.سأل نفسه عن عبثه الجديد:أيعقل أن أسافر بدون معرفة إلى أين؟نظر إلى اللوحة الإلكترونية فلاحظ أسماء مدن عدة كلها متتابعة لكنها باتجاهات عدة:إلى الشرق  وجدة إلى الشمال طنجة إلى الجنوب مراكش... أين أكادير؟ الحسيمة؟....إذا القطار هو الذي سيحدد وجهة السفر:سأختار إحدى رحلاته المبرمجة خلال ساعات هذا الصباح الأولى..

نظر إلى الساعة اليدوية،ووجد توقيت الساعة الساعة وعشرين دقيقة.في اللوحة الالكترونية اتجاه مراكش السابعة وخمسة عشر دقيقة...اختيار مناسب.

أخرج محفظته من جيبه وتوجه إلى شباك التذاكر،حتى إذا كان دوره أمام بائع التذاكر نظر إلى عينيه عله يكون عارفا بسبب سفره،فاستنتج غرابة النظر،رغم تواصل التحية والسلام:تذكرة لمراكش من فضلك.واحدة،نعم،كم ثمنها؟....شكرا.

قصد بعد ذلك المقهى ليتناول الفطور والقهوة السوداء خلال النصف ساعة المتاحة تقريبا والتي قدر استغلالها قبل دخول الرصيف لركوب القطار.نظر غلى الجالسين في المقهى،فوجد نفسه مثلهم مستعدا بحقيبته لمغادرة المدينة رغم أنه لم يأت معه أحد لتوديعه أو لصحبته في هذا السفر.

-      ما الذي سأحتاجه خلال هذا السفر –الخلاص؟هكذا تساءل وفكر،ففلم يجد سوى أجوبة عادية في ذهنه: - لشتري بعض الجرائد أو المجلات.

بخمسة دراهم فقط اشترى جريدتين بعد تأكده من حمله لقلم حبر في جيبه ،مفكرا في الشبكات المسهمة لملأ الوقت أو قتله كما عبر في ذهنه هذا الكلام وشغل العقل خلال الرحلة...

لم يغب عن بال حميد الشاب التفكير في حبيبته الجميلة التي مرر أبوها حلاوة علاقتهما و قبلهما العذبة التي أرق حنجرته تذكرها..فابتلع ريقا ممتلئا بطعم القهوة السيجارة التي شربها أو دخنها خلال هذا الصباح.كما لم يغب عنه التفكير في البحث عن رفقة للسفر خلال هذه الرحلة من المسافرين أو المسافرات و ذاك أفضل من الوحدة في السفر...

ليس الأمر ملحا ،فالمهم أولا هو هجر هذه الديار التي أصبحت أطلالا فارغة نسبيا ما دام القلب موجع بما حرم منه... و مادام ذلك الشعر الذي درسه حول عشاق ليلى وبثينة و غيرهما حاضرا في ذهنه ملهما بالتحسر والأسف على فقدان العزيز ...فقد أصبحت مكابد قيس و عمرو  مكابده حلت آلامهم في وجدانه أصبح مستنسخا لأدوارهم ومحنهم...وكم من لحن هذا الصباح شوش ذهنه وسمعه متحملا لمضمون شعره في الحب و الحسرة والفقدان... فلنراكم المحن والمصائب نتنهد على الحبيبة حتى الألم ونتجرع ويلات الأخبار حول عراقنا وفلسطيننا ووو.....هي الطامات إذا فرج الله عنا  هذه المحن...:

  الليل يا ليلى يعاتبني

ويقول لي سلم على ليلى....

 

  اصبر يا قلبي اصبر شحال قاسيتي من العذاب

 اصبر....

دفع حميد كل هذه الكلمات و الألحان بعيدا عن تفكيره فقد شعر بالتوتر و هي تشغل ذهنه بضجيجها.الآن أصبحت ضجيجا بعد أن كان يتغنى بها لعزيز ته في جولاتهما وهو صاحب الصوت المطرب..في الطبيعة أو في اتجاهات شوارع المدينة القصية عن الأنظار أو ضواحيها...

رغم الحسرة والرغبة،آثر الجلوس في مقطورة فارغة واتخذ موقعه قرب النافذة بعكس اتجاه القطار حتى يبدأ سفره متمتعا بمناظره مريحا بصره،منظفا به ومحاولا إقفال صفحات أمس وما فبلها...ولك اللحظة التي أنت فيها يا حميد.

بدت علامات الانشراح على وجه حميد بمجرد انطلاق القطار ومدد رجليه واتخذ وضعا مناسبا للاسترخاء وتصفح الجريدتين،مع مراعاة الشخصين الجالسين معه في المقطورة...

 

أغمض عينيه للحظات فبدت صورة حبيبته سمية أمامه هادئة جامدة،لم يقطع بعد وصل حبها.تمنى لو أنها الآن بجانبه  أمام هذه التضاريس والقرى والمدن التي يمر بها القطار. كان سيحدثها عن أصدقائه ومعارفه ببعضها...فكم زارها وتجول فيها وترك آثارا وذكريات طفولة وشباب...تنهد وأخذ نفسا في أعماقه شعر معه بانجذاب دقات القلب زيادة..فرقع أصابعه تحسرا على علاقة أراد لها الرسميات،وتداخلت الصور:فتيات تربطه بهن أواصر تعارف ومودة...وهو الذي له ارتباطات كثيرة ،خصوصا وأنه يعمل خلال العطل وفي ناهية بعض الأسابيع كمطرب وعازف في جوق شعبي أو عصري..فكل مرة يصطلح عليه الناس تسمية حسب نوع الأغاني المرغوب فيها... كيف التعويض و النسيان؟لو أنه هاتف سناء لرافقته بدون تردد في هذه الرحلة التي يود تضميد جراحه فيها، لكان خدها على كتفه وهي سعيدة بمرافقته، وهي التي تحب السفر كثيرا وأخذ الصور والذكريات من كل مكان تزوره....لم ينس يوم قالت له سناء: الفتاة في مجتمعنا لا تجد حريتها وشخصيتها وراحتها إلا مع السفر والابتعاد عن دائرة الأسرة والقبيلة والقرية...تتحرر من كل ضغوط المراقبة وقيودها...انظر إلى طالبات الجامعة جلهن تتغيرن في أسلوب الحياة داخل فضاء الكليات والمدن الجامعية.... يتفكر حميد تحليلاتها التي لاتتعب منها و هي الطالبة التي تريد تغيير كل شيء في مجتمعها وحياتها...

لاباس سأحاول أن أنسى كل شيء خلال رحلتي وأغيب عقلي عن التفكير في كل ما يضجرني..ويقلقني...هكذا أصبح عزمه على استغلال السفر للتعويض والنسيان واستبدال حال بحال..

أخذ القلم لملأ الكلمات المسهمة.كتب كلمتين أو ثلاثة،فأعياه البحث عن حل الرابعة...أعاد القلم إلى جيبه واستدار لتأمل باب المقطورة التي يمر بجانبها في الممر مسافرون جدد صعدوا من المحطة الموالية لمدينته...بدا عدد المسافرين عاديا.ليس هناك ازدحام رغم كونه فصل الصيف...ربما لأنه يوم أربعاء وليس نهاية الأسبوع،أو لأنه الرابع والعشرين من الشهر ولم يتسلم الموظفون بعد رواتبهم لينطلقوا في سفريات الصيف مع أسرهم وأقاربهم..

مضت بضع ساعات ،كسر خلالها حميد الممل وكثرة الجلوس بأخذ خطوات ذهاب وإياب داخل ممرات القطار...وكان الوصول إلى محطة قطار مراكش.أخيرا نهاية الرحلة والنزول لكل المسافرين.

أخذ حقيبته وقصد هاتفا ثابتا في زاوية من مدخل المحطة.كلم والدته مخبرا إياها برحلته والمكان الذي ذهب إليه..

لقد اعتاد في بعض الزيارات الماضية النزول بفندق واحد في كل مرة ،لذا ذهب إليه مباشرة راكبا سيارة الأجرة...كانت حرارة اليوم مرتفعة.وكان أول شيء فكر فيه هو أخذ حمام يزيل عنه ضغط الجو وتعب السفر...

-      الغرفة رقم 6،الطابق الأول ،أنت ضيفنا وابن الدار...هكذا كانت جمل الترحاب بحميد من طرف موظف الاستقبال عباس.

شعر حميد بالارتياح لأنه بدل مكانا بمكان وأناسا غدروا مشاعره وجرحوها بآخرين جدد سيعاملونه كضيف ووافد مرغوب فيه..ومرحب به.

استرخى على السرير مبللا بماء دافئ بقي على أطراف جسمه جراء أخذه لدوش ناعم ...واستحلى الامتداد لدقائق عدة لاحظ بدقة فيها فضاءه الجديد وسبح بذهنه في تساؤلات عن زبائن الفندق لهذا الموسم وعن مرافق المدينة القديمة والجديدة...أراد الذهاب في نومة خفيفة لولا أن أمعاءه أشعرته بضرورة تناول غذائه،فرغم أن الساعة تجاوزت الثالثة بعد الزوال فإنه لم يأكل شيئا منذ الصباح سوى وجبة الفطور.

 نهض حميد و ارتدى دراعيته و شربيلا من الدان لونه متناسق مع لون اللباس،مشط شعره أمام المرآة و رش بعطر على صدره و جوانب عنقه..ثم خرج قا صدا مطعما ما.تناول وجبة وانصرف للبحث عن مقهى مناسب وواق من حرارة هذا الصيف الملتهب في مراكش،وما أدراك  ما حرارة صيف مراكش،التي تجعل الناس صاحين بالليل مقاومين لها بصخب ساحة جامع الفنا باحثين في حدائق المدينة عن دفء ما أو برودة يهب بها نسيم جبلي من بعيد...

هكذا يبدأ السهر ويحلو مع تفاعل التجمعات البشرية في فضاءات مراكش...لعل كل فضاء يحتاج إلى تغطية الكتاب و الصحافيين يوميا لتسجيل ذكرى و تراث المدينة الحي في كلام و عادات الناس وتفاعلاتهم....والسياح كذلك مشدوهين لهذا العالم القروسطي بأسواره و زيه و حيوية ساحاته، وعجائبه الآتية من أدغال التاريخ و إفريقيا وآسيا...إنها بصمات تاريخ متجدد وحي ،روحه متجددة مع هؤلاء الأشخاص الذين يتقنون الأدوار فيما هم فيه ،أدوار الحياة طبعا/ والكل يحيى الحياة...

للسفر حريته الخاصة،انفلات من قيود حياة الجماعة،والرقابة الداخلية والخارجية و أدوار التمثيليات الأسرية فلان ابن فلان ، ومقاييس السلوك النمطي المطلوب في الحي والشارع...  تتنفس الروح الصعداء وتحمد الله على هذه الاستراحة ولو كانت مؤقتة،فتهيم في اشتياق ما لذ وطاب...كلها إيجابيات للسفر...لكن حميد لا زالت ناره مشتعلة في دواخله...لذا فكر في إطفائها بنار أخرى تأتي على الأخضر واليابس مما تبقى من ذكر حبيبته وأبيها....

قصد المدينة العصرية (جليز) وبعد أن دفع لصاحب سيارة الأجرة أجرته لمح بعينيه دكانا خاصا ببيع الخمور ،فاشترى قنينة ويسكي وعاد إلى فندقه ليخلو بنفسه و يتحاسب مع سبب سفره كأنه عدو سيواجهه داخل غرفته رقم6 أو خلاص سينتهي همه بعد إفراغ قنينته...هكذا تخيل وتصور ... ولم تأت الساعة السابعة مساء حتى كانت بضع كؤوس قد تناولها ضيف فندقنا، وشعر بحدتها في حلقه ومعدته...لذا قرر الاكتفاء بما تناول والخروج لملاقاة العالم السحري الذي لا يدري هل هو في الخارج أم في عالمه الداخلي المتأثر بكؤوس من الويسكي....

  لم يكن حميد ليترك الخمر تؤثر على خطواته وكلامه.. لذا بعد تجوال واكتشاف وتمتيع للنظر ومشاهد "ألف ليلة وليلة" قصد مقهاه المفضل بالليل في برج عال فوق سطح يطل على ساحة جامع الفنا بدخانها و أضوائها و أصواتها...كأن الناس هم الذين يتبخرون ويتحولون من تشكلاتهم المادية إلى روحية تخترق سمع و بصر حميد...بقي واقفا لدقائق مشاهدا لهذه البانوراما أمامه وفي ذهنه عله يجد خلالها كرسيا يجلس و يستريح على طاولته ، وآلة التصوير على كتفه.هو السائح الجديد الذي جاء ليحارب الماضي ويستشرف اللحظة الآنية و المقبلة....

نظر بجانبه فلاحظ طاولة تجلس بجانبها فتاة أو سيدة، لايعلم بم يناديها.استسمحها في الجلوس بجوارها ، فكان جوابها نوعا ما قاسيا:

-      دائما تبحثون انتم الرجال عن مبرر لمحادثة النساء.

أجابها حميد وهو الهارب من توترات المرأة والتفكير فيها، وفعل الخمر يجعله جديا في جوابه وأكثر جرأة ووثوقا من كلامه:

-اسمحي لي ، فإنني فقط لم أجد مكانا أجلس فيه، لذا طلبت الجلوس بجوار طاولتك، فأنت ترين المقهى لا طاولة فارغة ولا كرسي ....سأجد مكانا آخر...

 لاحظت فيه صرامة الرد و عدم استعطاف أو مجاملة متصيد للنساء ، فأجابته بسرعة و بنبرة أكثر لطفا و شبه اعتذار:

-      لا بأس ، اعذرني يمكن لك الجلوس أنت تعرف البعض الذي يود فقط في إزعاج كل فتاة يراها مارة أو جالسة في مقهى أو حديقة...اعتذر مرة أخرى ،يمكنك الجلوس.

-      إذا سمحت ،آلة التصوير هذه أمامك سأتركها لأبحث عن كرسي فارغ أتخذه للجلوس..

تعجبت الفتاة للشخص الغريب الذي يترك ممتلكاته لدقائق ولم يخف من مدينة سكانها زوار و أجانب وعابرون...فاستشعرت ائتمانا للآخر الذي هو هي وابتسمت داخليا لوجود من يتوفر على هذا الاطمئنان و الثقة الغريبة..

  جاء حميد بكرسيه، وجلس بجوارها متفرجا على فضاء ساحة جامع الفنا...لم تنزعج الفتاة من وجود كأس شايها محاذيا لآلة تصوير حميد و قنينة المشروب الغازي الذي نادى عليه حميد...هكذا أصبحت الطاولة ملكا مشتركا بينهما و أصبح استعمال فضائها موزعا بين أيدي الطرفين مع مراقبة الحركات فوقها من طرف كل واحد منهما...

 

لم يكن حميد ليشعر بضعف الموقف أمام هذه الممتنعة الغاضبة من سلوك الرجال ، وهو الذي لم ينو أبدا التحرش بها..طلب منها أن تأخذ له صورة فوتوغرافية مع مشهد ساحة جامع الفنا، فلبت طلبه بهدوء و بتأن في التصوير مبتسمة لوقوفه المتهيئ لأخذ صورة مع طول  الابتسامة التي أظهرها التي ربما أجهدته حتى التقطت له هذه الصورة....عادت لجلستها بحسها الأنثوي المناسب لها، والذي أثار في حميد رغبة في الحديث معها...فلعل الاشتراك في هذا الفضاء السحر يجعل الانجذاب بينهما و ذوب الموانع والحواجز الرقابية، وشجع على تبادل الكلام والحوار

  لم لا  ومراكش ملجأ أصحاب القلوب المرهفة. هكذا فكر ،ما دام هو يتملك قلبا عاشقا كسر شوقه ذلك الرفض ، كما يمتلك رغبة في السعادة و التعويض ما دام السفر ملجأه الذي أخرجه من هم الأمس القريب...فمن أين سيبدأ هذا الحديث و التمنع وضع حاجزا في بدايته...بادر إلى سؤالها :

-      هل أنت زائرة لمدينة مراكش أم من سكانها؟

-      لم تسأل ،فأنا جلست هنا راغبة في الانفراد لا أريد حديثا مع أي كان و اعذرني على كلامي فأنا لست في أحسن حال...

-      اسمحي لي ان أنا كذلك لست في أحسن أحوالي ،ولكني لا أقدر على الجلوس بجوارك دون أن أتبادل معك الحديث،ما دام الإنسان إنسانا لابد له أن يتبادل أطراف الحديث و الكلام.أنا كذلك جئت إلى مراكش راغبا في الابتعاد عن الناس و في أن أستريح من همهم ..ولكن لابد من التعارف و التحاور فهذه طبيعة بشرية...قد يكون كلامي فيه تناقض ، ولكن لابأس اسمحي لي على الإزعاج عموما..

-      لا بأس اعذرني على طريقة كلامي فأنا أتيت يائسة قلقة و متوترة، فقد مررت من تجربة قاسية أبعدت عني حب أي تعارف جديد أ كلام جديد...أنا لست من هنا – فجأة كأنه سد انفتحت أفواهه لصبيب كبير – فاسترسلت في الكلام :

-       - أنا من مدينة أكادير ، كانت لي علاقة مع شخص تعرفت عليه  ،وقال لي إنه عامل بالمهجر وله مشاريع بالمغرب يأتي لمراقبة تسييرها...بدا لي كلامه متناسقا و حسنا جميلا ، وتقرب لي بشكل ملفت ، حيث كانت اللقاءات كلها تصب في علاقة جدية...فقد تعرف علي بشكل جيد وعلى وضعيتي.فأنا أمتلك  وأسير مشاريع تذر لي أرباحا مناسبة بمدينة أكادير...لقد ترك لي أبي تركة مهمة جعلتني أسهر على تطويرها و إقامة مشاريع جديدة آخرها  قاعة لممارسة الرياضة جاءت فكرتها من كوني شبه سمينة و احتجت إلى ممارسة التمارين الرياضية و حمية غذائية، ففكرت في طابق سفلي واسع امتلكه في موقع مهم في المدينة.اتصلت بصديقة لي تمارس الرياضات بشكل محترف ،فجعلتها هي المدربة و أنا أدير المشروع وأتدرب عندها ...

-      مشكلتي أني وضعت الثقة التامة في هذا الشخص والذي أراد أن يرتبط بي ، وأبدى اهتمامه ر حبه لي و خوفه علي في هذه المدينة من اللصوص والطامعين...وصل الارتباط والخوف على شريكة حياته المستقبلية إلى طلب جعل شخصه وكيلا علي في أعمالي و مشاريعي  حتى يريحني من تعب اليومي الذي ينسيني رشاقتي الأنثوية وراحتي الجسدية والمعنوية...جاءتني الفكرة مناسبة ،فهو الذي أصبحت أحبه و أعوض به فقدان الأب وانعدام الأخ، ما دامت الأنثى عندنا تعيش في كنف وحماية الرجل دائما، خصوصا وأن المجتمع عندنا لا يريد للمرأة أن تكون بمفردها و بحريتها في تصرفها...

-       وخلال الإعداد للأوراق الإدارية لهذا التوكيل ، لم يبق سوى التوقيع و التسليم، شغلتني مسؤولية التجارة و المطعم و الرياضة، وكانت لي صديقة بإسبانيا أخبرتها عن مشروعي في الزواج واسم هذا الزوج المرتقب وأنه يمتلك مشاريع في إسبانيا ، فصادف أن كانت صديقتي تعمل بنفس المدينة الاسبانية التي ادعى مصطفى ،هذا الآسن اللعين ادعى أنه يعمل بها وله مشاريع بها...سألت نادية عن اسمه فلم تجد لمشاريعه ولا لاسمه أثرا، بل بالعكس لمست آثار سوابق لشخص له مواصفات في حد ذاتها عنه.إنها صدفة القدر أن تأتي لحظة وجيزة تعري كل كذب شهور طويلة...في تلك الليلة التي كانت الأوراق جاهزة.أكثر مصطفى من الاتصال بالهاتف مبديا تسرعه في إمضاء الأوراق لأنه ليس لديه الوقت فيما بعد،فهو مشغول بمشروعه الجديد بمدينة الصويرة، ويريد الذهاب عاجلا إلى إسبانيا  ....صادف اتصاله الملح في تلك الليلة أنني كنت ملتزمة بالحصة الرياضية في الطابق السفلي للمنزل الذي أصبح قاعة رياضية...فطلبت منه ألا يقلق ، فلا بأس إذا صبر يومين حتى أتفرغ معه للإجراءات... لا أكذب عليك إذا قلت لك أن مجموع ممتلكاتي يناهز المليار سنتيم، لكن النقود ليست كل شيء في الحياة...

بادرت إلى مكالمة عميد شرطة من معارف عمي عبد الحق بمدينة الصويرة.أعطيته الاسم والمواصفات ونوع المشروع الذي يسهر عليه زوجي المستقبلي لفم يجد لكل ما ذكرته لك و له أثرا ،بل كانت الصاعقة لما أخرني بأنه قد يكون نصابا توجد مذكرة بحث في حقه.أرسلت صورته عبر الفاكس ولما بحثوا وجدوا فعلا أنه محتال و نصاب كبير.وكنت أنا الضحية السمينة الجديدة التي سينعم بها ويفترسها، وبين عشية وضحاها سأصبح مرمية في الشارع إذا ما لا قدر الله و أصبح وكيلي على ممتلكاتي و مشاريعي و باع كل شيء وانصرف إلى مكان آخر بما سيكسبه....قصتي طويلة و كلها هموم و لا أريد أن أثقل  سمعك بها، فعذرني على هذه الصراحة في أموري الشخصية....

حاول حميد كذلك تفجير مصب غضبه الداخلي و تفريغ همومه ومشاركتها جلسة الاعتراف و تنفس صعداء هموم الحياة، أنا كذلك جئت إلى مراكش مبتعدا عن مشاكل شخصية أقلقت مضجعي و ضاقت بي بسببها ظروف مقامي في  مدينتي ن فلذلك أتيت إلى مركاش لأستريح و أنسى. نحن نشترك في نفس سبب التواجد. لاأحد في هذه الدنيا يعيش سعيدا و هانئا دائما.

   قاطعته الفتاة مبدية رغبتها في تتمة تفريغ مشكلها :

  تصور أنني كنت أفكر في أن أصبح ربة بيت لأتفرغ لتسيير المنزل في الداخل وتربية الأولاد ، وهو سيكون المتصرف و الآمر والناهي في كل شيء ...كل هذا كان حلما سيوقعني على رصيف عار ،بارد و قارس ،لن يرحمني الناس حينئذ إذا أصبحت أفترشه و أعيش فيه ربما لغبائي أو ...

سألها حميد متوددا و منفسا عنها حرارة تنفسها التي أشعلها حديثها : اسمحي لي لم أتعرف على اسمك؛ هل من الممكن ؟

 أجابت : أنا اسمي سعاد ، وكما تعلم من حديثي فأنا من مدينة أكاد ير زائرة هنا لمدينة مراكش لبضعة أيام..

حميد: هل أتيت عند أقرباء لك؟

سعاد: لا أنا أقيم بفندق في كليز " أسماء"

حميد، مبديا الاستعداد لدور المبشر بساعة فرح أفضل : هل من الممكن أن آخذ لك صورة وأنت جالسة هكذا ، اعتذر على طلبه هذا، وانتظر ردها 

سعاد ،بقبول جاف نسبيا : ممكن ، تفضل.

أبدع حميد في قبضته لآلة التصوير مبديا تفننا وإتقانا في ضبط مقاييسها ، رمشت سعاد مع بريق ضوء الآلة أعينها مبدية ابتسامة جديدة لم تلاحظ على ملامحها منذ جلوس حميد بجانبها..

حميد مجددا :اسمحي لي بتقديم مشروب، ولا تعتبري المسألة عيبا ولا ترفضيها ،مجرد استضافة بسيطة.

قبلت سعاد بابتسامة هادئة طلبه خاطفة نظرة لبقة فيها من التودد ما فيها من التوجس والخيفة.

لم ينتبها إلى الساعة حتى وقت متأخر ،فجأة لاحظ على أنه مرت أكثر من ثلاث ساعات على جلوسهما وحديثهما وحوارهما الذي سبح في مواضيع عديدة مألوفة وجديدة كذلك على بعضهما البعض،في كل مرة يأخذ المبادرة أحدهما ليبرع في الجديد الذي لا يعلمه الآخر...لاحظت سعاد على أن الساعة أصبحت متأخرة ويجب عليها أن تعود إلى الفندق...نزلا معا من سطح المقهى وعبْر الدرج استسمح حميد في أخذ رقم هاتف سعاد للقائها من جديد، فأبدت قبولها بذلك وأعطته رقمها آخذة جرأة صراحة بادرت بها منذ البداية:

_ اسمع أريد أن نتعارف ولكن لا أرغب في سماع كلام عن زواج أو شيء من هذا القبيل، فأنا لم أعد أحتمل خداعا جديدا... هكذا أحسن حتى نكون صرحاء ومرتاحين...أصدقاء فقط...

حميد :ليست هناك مشكلة، فأنا كذلك خرجت من مشروع زواج لم  ينجح ولا أريد التسرع في مشروع جديد...

       في طريق عودته إلى الفندق فكر مليا في هذا التعارف الجديد واستغرب لنوع العلاقة التي تريد صديقته الجديدة، فوجده مناسبا لخلق سعادة غير مشروطة بدون التزام أو مراوغة في تحقيق رغبة ما...

هكذا وبمجرد وصوله إلى الطاولة الاستقبال أسرع إلى مكالمة الموظف /المستخدم: من فضلك أريد مغادرة الفندق الآن هناك أمر طارئ ومستعجل أضطر معه لذلك...

طلب حساب ليلته في الفندق و صعد إلى غرفته وجمع لوازمه في الحقيبة و خرج للركوب في سيارة أجرة صغيرة قاصدا فندق سعاد الجديد.

 دخل إلى بهو الفندق و أمام مقر الاستقبال  لاحظ أن هذا الفندق أرقى نوعا ما من الذي تركه، وفكر في ثمن المبيت الباهظ ربما ولكنه أراد المجازفة بما يمتلكه من نقود المهم أن يستمر في تحقيق ما يريد:

-      السلام عليكم. – وعليكم السلام ورحمة الله.

-      - من فضلك لقد اعتدت النزول في الغرفة 26 فهي تروقني و أرتاح فيها أكثر في فندقكم ..

  لاحظ المستخدم غياب المفتاح عن جداريته ،ونظر إلى الملف أمامه:أعتذر فالغرفة محجوزة من طرف زبون آخر....

من أين جاء حميد بهذا الرقم 26 ؟يعلم أنه رقم الغرفة التي تنزل بها سعاد.فخلال حديثه معها في المقهى  دكرت له الفندق ورقم الغرفة وشكلها و جمالية منظرها المطل على المسبح...إذا أراد حميد أن يحجز بجانب سعاد في هذا الفندق...هكذا فكر و دبر وخطط لرحلته الجديدة...

المستخدم من جديد :

-      سأعطيك مفتاح غرفة بجوارها لها نفس مواصفاتها ، كم تريد أن تقيم معان من أيام؟

-      أربعة أيام، وربما أكثر إذا لاءمني المقام ...

-      الغرفة 27، تفضل ، بطاقة التعريف الوطنية من فضلك.

-      تفضل ، ...شكرا على كل شيء...تصبح على خير.

            أخذ حميد مفتاح الغرفة و عرج إلى مقامه الجديد مبتسما وعيناه تملأهما جرأة المغامرة واختراق الجديد للخروج من لبوس ثوب قديم قز مضجعه و أضجره...

  دخل إلى الغرفة و رتب لوازمه ووضع قنينة الويسكي التي ربما هي ملهمته و مشجعته على ما يقوم به من غرائب، فوضعها على الطاولة.ثم أخذ حماما جديدا يستعيد راحته ويستعد به لمقامه وما سيقدم عليه...خرج منه ملتحفا فوطته إلى شرفة الغرفة.نظر إلى الساعة ولمح النور لا زال مصباحه مضيئا في الغرفة المجاورة...فأخذ هاتفه المحمول وضغط على الزر مناديا الرقم الجديد الذي سجله رقم سعاد...وهو يتأمل بكل جمالية منظر المسبح من فوق و أطلال الشرفات و الأضواء الخافتة في بناية الفندق:

-      ألو، مساء النور، لقد وعدتك بالاتصال قبل أن ننام.كيف أنت الآن أتمنى أن تكوني قد أخذت حماما و استرحت من تعب هذا اليوم وحرارته

-      بالفعل هذا ما قمت به، في الحقيقة لقد سرني التعرف عليك واتصالك بي وأنساني ثقل الهموم التي كنت أحمل في صدري ،شعرت أن غيوما قد انقشعت من فضاء دهني بفضل الحديث الذي جرى بيننا..

-      هل أنت نائمة أم ما زلت مستيقظة؟

-      ما دمت أتكلم معك الآن فأنا مستيقظة، أجابته بنبرة مداعِبة ..أخذت حماما و أتصفح مجلة لكي أستدرج إغماض جفوني والذهاب في نوم عميق...أين أنت الآن؟أما زلت في خارج فندقك لم تنم بعد؟

-      أنا بجوارك ، مطل من الشرفة على مسبح الفندق، هل تقبلين ضيفا في ساعة متأخرة؟

   اندهشت سعاد و استغربت و انبهرت لمبادرة حميد الجريئة والشجاعة ...كما ابتسمت في دواخلها لوجود من يقدر على هذا التعلق  والإبداع في التواصل...

-      صحيح ما قلت؟ أنت خطير أسيدي – بعامية غير رافضة للمبادرة و الفكرة عبرت سعاد عما أخبرها به حميد –

-      لا تعتبري تصرفي عيبا ، أتمنى ذلك،فقط ارتأيت أن أكون بجوارك حتى يسهل لقاؤنا و تعارفنا...

 

   ساد صمت لثوان قليلة...و معه كان التفكير في القرار وتطوير التعارف...وكم يشفع السفر للحاضر فيحرره من قيود الماضي ويعطي لكل حلم فرصة التحقق، وللرغبة فرص التلبية بعيدا عن مراقبات الأعراف والتقاليد والقيم الجماعية المكبلة و القامعة لمتطلبات الذات....هكذا غلبت الرغبة في متعة الحياة على فكر حميد و سعاد،ولو كانت قوسا مفتوحا سيغلق في لحظة ما أو مع العودة من السفر...ولكن فلنعش داخل السفر مادام مفتوحا و محلِلا ..و لننعم بما يتيحه لنا السفر...فكرت سعاد في المفاجأة: اسمع اترك باب الغرفة"مبتسما" هي 27… نعم؟

-      نعم 27، سأنتظرك.

-       سألحق بك بعد قليل...

كم يشفع السفر للحاضر فيحرره من قيود الماضي و يعطي لكل حلم فرصة التحقق وللرغبة فرص التلبية بعيدا عن مراقبات التقليد والأعراف والقيم المكبلة...هكذا غلبت الرغبة في متعة الحياة على فكر حميد و سعاد ،ولو كانت قوسا مفتوحا سيغلق في لحظة ما، فلنعش داخله وننعم بما سيمنحه لنا...هكذا فكرت سعاد في هذه المفاجأة قائلة:-اترك الباب مبسما...سألحق بك..بعد قليل في غرفتك... فكر حميد في تبرير آخر ل مبادرته: لاتعتبري تصفي عيبا ، و أتمنى ذلك،فقط ارتأيت أن أكون بجوارك حتى يسهل لقاؤنا و تعارفنا...لكنه لم يرد التصريح به.ترك هذا الكلام إلى تداعيات التجاذب بينهما ...وهو يعلم أن الأنثى ترغب في من يقدم على ما ترغب  فيه النفس دون تعقيد..لأن ذلك يحيي الممنوع والأخلاقي ..فلنفتح القوس إلى المباح والإنساني...

لابد للأنثى أن تستعد ولو لثواني مع نفسها وذاتها حتى بخطف نظرة أمام المرآة.ارتدت سعاد قميصا خفيفا غطى بالكاد كتفيها وركبتيها، ووضعت عطرا بجانبي عنقها ، بعد أن تيقنت من أن حمامها لا زال جسدها ينعم برائحته الطيبة...هاودت الوقوف أمام المرآة ف التي تعتبر ظل الأنثى الذي يؤكد حضورها و رشاقتها....تسللت من غرفتها إلى الغرفة المجاورة 27..هل فعلا واقعي و فعلي ما يجري الآن؟هل فعلا هو موجود في الغرفة27؟ترى لو كانت مجرد مزحة وصادف فعلها انفتاح باب تلك الغرفة؟ أي موقف سيكون؟....طردت كل هذه الأفكار، وواصلت خطوها بهدوء ودخلت إلى الغرفة27،فوجدت حميد واقفا مستقبلا بابتسامة جميلة ونظرة كلها إجلال وترحاب...وكأسه نصف ممتلئة بين يديه... لقد كان اللقاء الأول في المقهى حادا ومحرجا ومروضا وحش الإنسان ليتواصل مع إنسان آخر..أما الآن فقد تم السلام بعناق خفيف تجلى في وضع كل طرف يده على كتف الآخر خاطفا قبلات السلام الجانبية في إفاضتها دليل فبول متبادل...رحب حميد بضيفته و دعاها لاتخاذ الكرسي للجلوس أو جانب السرير غير متسرع لفكرة ما...

-      اسمحي لي على هذه المفاجأة، فمنذ التقيت بك لم أرغب في الابتعاد عنك خلال إقامتي بمراكش..

تنهدت سعاد لكنها طردت آهات حسراتها المتراكمة بابتسامة وديعة تبدي ثناءها على مشاعر حميد وتعبيره..وهو مهيمن على الموقف والمبادرة والابتسامة متحكمة في نجاح كلامه، تابع قائلا:

-هل ترغبين في تناول كاس معي ؟ليس لدي الآن شيء آخر أقدمه لك سوى ما أتناوله أمامك..

-في الحقيقة أرغب في ذلك ولكن هذا النوع صعب على معدتي تناوله ،ناولني قليلا منه في كأس فقط و اجعل نسبة الماء كثيرة حتى أستطيع تجرعه..

تجاذبا أطراف حديث هامس و خفيف وأصبحت الحميمية هي السائدة فيه،خصوصا وأن الإنسان كلما اقترب من الليل ومن جسد الجنس الآخر ومن النوم والفراش...ازدادت ميوله نحو تحقيق رغبة الوجود ورغبة كل المخلوقات، والتواصل البيولوجي أو الروحي..في الحقيقة يصعب الفصل والفرز بين هذه الميولات... واستمرت المداعبة والنكتة والضحكات الخفيفة الخافتة..واقترب الجسد من الآخر، ومع كل كلام حلو بادر حميد إلى لمس رفيقته بجانب كتفها، مع خصلات شعرها المنفلتة على خدها أو جبهتها...مع تكرار محاولات اختراق يدوي داخل غابات شعرها المسدول على الكتفين والظهر..وهي مع كل لمسة تبدي الشعور بدفء في الملمس والحنان في الاقتراب والرغبة في الاندماج والعناق...الاندماج؟ عن أي اندماج سترغب؟أين هو التمنع؟ والموقف السابق في المقهى؟بعد اقتراب الطرفين و بداية قبل خفيفة يذوب معها الكلام وتغمض لها العيون للحظات كأنها تأذن بجواز مرور الفعل إلى ما يشاء...توقفت وأمسكت سعاد نصف متراجعة بوجهها مبتسمة في شبه اعتراض بوضع كفها على صدره الذي ....

-      حشومة ،من أول لقاء

-      لانحتاج إلى أول لقاء ؟ فنحن متعارفين من زمان ووقت بعيد في الماضي، فقط لم يكتب لنا التلاقي ،كأنني أعرفك منذ سنين،فلم أتفاهم مع فتاة مثلك بعقلك و شخصيتك.... أنت معي الآن وهذا يكفيني..

 وضعت خدها على كتفه تعبيرا عن رضاها و اغتباطها بجميل تعبيره..فقد أذاب الكلام جليد التمنع و التردد..و استمرت اللمسات المخترقة لكل جوانب الجسدين، واستمر الاحتكاك واشتعلت نار القبل من جديد، هذه المرة بدأت الأزرار القليلة تنفتق وامتد الجسدان فوق الفراش في حلول جديد كله رغبة وعشق متعة،آهاته سحقت التحجرات والتحسرات التي احتقنت من بداية صباح هذا اليوم في صدر كل واحد منهما، فكانت الولادة الجديدة للعلاقة والشعور المتبادل والرغبة في مراكش و الإقامة فيها..ولكن لاأحد منهما كان يظن سرعة هذه التطورات والمستجدات...هي أرض أحلام أو جنة أنام أو مشفى المكسورين والمجروحين في المشاعر والقلوب...

بقيا ممتدين فوق السرير بعد استكمال الرغبة ،وجعلا إزارا على ،صف جسديهما العاريين...واستمرا في عناق حميمي بدون حاجة إلى كلام جديد ،ما دامت لغة الجسد قد هيمنت و اكتسحت، ذهبت الجفون في إغماضة سبات مريح من تعب سفر هذا وتجوال هذين...حتى جاء صوت بعيد في  ممر من ممرات الفندق..أخرجهما من جنتهما..وفتحت سعاد عينيها ململمة حميد..فطلبت أن تذهب إلى غرفتها في هدوء شديد واستئذان لطيف...عناق خفيف كان معه الطرفان ناهضين،ارتدت ملابسها الخفيفة ووضع هو فوطته على نصف جسدهن وفتح الباب،مطلا على الممر فاسحا المجال للمغادرة،حتى إذا دخلت غرفتها و أقفلتها بهدوء،عاد حميد إلى سريره راضيا عن يومه الجديد مسترخيا بلطف  على سريره كأنه خلاصه من هم قديم ومفتاح سعادته الجديدة.فذهب في نوم عميق ساعدته الكؤوس التي تناولها من فبل في سرعة الغوص في سبات أكيد...هكذا انقضى اليوم الأول من إقامته بمراكش، وبعد أن اخترقت أشعة الشمس غرفتيهما ونالا من نومهما ما يكفي لكل واحد لكي يستريح و يبدأ نهارا جديدا...كانت بداية اليوم الثاني من السفر الحلم...لم يصدقا بعد متعة اللحظات التي وهبتها مراكش لهما ...هكذا كذلك أصبح هذا الشعور متبادلا و متقاطعا رغم افتراق الجسدين كل في غرفته:26-27.

  ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

   رغم استيقاظها الباكر، لم ترغب سعاد في مغادرة الفراش.بقيت ممتدة على جنبها ضامة مسند السرير محتضنة له.عيناها شبه مفتوحتين،رموش تقحم نور الصباح المشع من الشرفة في جفنيها.فجأة انبلجت ابتسامة مع امتداد ساقيها و استحضارها لصورة حميد الصديق الجديد  الذي قام بدور الفارس المقتحم لجلستها في المقهى وفجأة في فندقها....رغم مرارة غدر الرجال وانعدام الثقة الذي تسببه، لم يكن وجود مبرر لرفض العلاقة مع حميد...فرغم كل شيء يبقى الرجل مكملا للمرأة...ربما لم تفكر سعاد هكذا.... لكن بدا الأمر كذلك حين أخذت هاتفها المحمول مرسلة عبره رسالة مكتوبة تحمل تحية الصباح مصحوبة بباقة ورد مصورة على شاشة الهاتف...

لازال الرأس مثقلا بوقع الكؤوس وجهد اليوم الأول في السفر والسهر...بينما الجسد ممتد على ظهره راخيا الأطراف في كل الجهات من السرير،راغبا في استمرار الامتداد والنوم...اخترقت آذان حميد رنات تلك الرسالة الهاتفية المكتوبة بتدرج موجهة إياه لمد يده لالتقاط المحمول...ولكن لابد من فتح العينين ومواجهة ضغط الأشعة الصباحية لأول استيقاظ وقراءة مصدر الرسالة.بدا اسم سعاد-أكاد ير على شاشة المحمول...لم يكن ليترك شوق القراءة لمضمون الرسالة والرد عليها بأجمل ما استطاع رقنه على هاتفه،رادا التحية بالتحية،باحثا عن رمز أكثر شاعرية(ظل رأسين لفتى و فتاة متقابلين مقبلين) رمز العشق والقبلة الصباحية الجميلة...هكذا جعل تقديره لاجتهاده .. مع إضافة :  لنتناول الفطور معا بعد نصف ساعة.

لم يتأخر الرد:

-      حاضر عزيزي، نلتقي في باب الفندق...

 

                        هكذا أصبح أسلوب سعاد عذبا ملبيا نلم تشأ أن تجعل فطور الصباح داخل مطعم الفندق ومقهاه حتى تدفع بعيدا تساؤلات المستخدمين حول سر الرفقة من أول يوم، خصوصا من طرف المكلف بالاستقبال.وهي تعلم أن المجتمع له قيم ترفض،وممارسة تجعل كل واحد يتناقض:حلال علي حرام على الآخرين....اطلع تأكل من الكرمة انزل شكون لي قالها ليك (اصعد لكي تأكل من شجرة التين، انزل من قال لك ذلك،ممنوع...الذئب حلال ،الذئب حرام....) والتناقضات كثيرة تملأ العلاقات... أقنعة خارجية وأخرى داخلية لاتعرف حقيقة الأمور معها...ولا تعلم نوايا كل واحد فيها....الكل يعلم أن الإنسان يرغب و يفعل ما يلبي أغراضه الداخلية عموما،ولكن من وضع القوانين المنظمة للعلاقات الاجتماعية فرض تقنينا لها حتى لا تسيب الأمور وتبقى تحت مراقبته...هكذا تملأ التناقضات حياتنا بين الشرع والقانون ومتطلبات العيش والحياة ورغباتها....ولكن لاأحد يريد الاصطدام ....دع كل شيء يمر دون تساؤل ودون توتر أو لوم ،وأغمض عينينك عن كل شيء حتى لايواجهك رفض أو جدار أوكسر أو زجر....

 

  مع نغمات عبد الحليم حافظ:

 

   قولوا له، قولوا له :أحبه

 وأذوب في حبه

 قولوا له،قولوا له الحقيقة

  آه ذي عيون

   غريبة..........

 

ملأ اللحن الجميل فضاءها أكثر من فحوى كلماتها....مع نغمات عبد الحليم كانت سعاد تأخذ حمامها الصباحي،جاعلة صابونها المفضل ذا الرائحة الخاصة والطيبة على كل جسدها، معاودة ذلك مع كل رشاشات الماء المنسكب عليها....ولا بد للقاء بين العشاق من أن يكون بأجمل الثياب والرشاقة والابتسامة والكلام الجميل المثير والمدخل لبهجة على الطرف الآخر في بلد البهجة والدقة المراكشية...

  اتخذ ا تاجاه المقاهي الجميلة في جليز ، واقتحما إحدى صالونات الشارع الرفيع طلبين فطورا مكتملا بما اشتهته الأنفس وبما يطفئ نار الصيف والعشق الملتهبة...

  بعد الانتهاء من الفطور أحضر النادل فنجاني قهوة صباحية تفتح عيون العاشقين من جديد فلا زال أثر السهر على جفنيهما...جعل حميد مقدار السكر المناسب في كوب سعاد وحركه بملعقة  صغيرة وقدمه لها...مع نظرة معبرة راغبة في كل سعاد هذه....وهي تثير برضاها وقبولها وابتسامة عينيها قبل شفتيها رغبة حميد في حلول واختراق جديدين....لكن المجال يفرض المسافة واللباقة و حدا لكل لمسة أو همسة....

 استرسل الحديث بينهما حول الفضاء المحيط بهما في المقهى:

-      هذا مقهى جميل في جليز، لأول مرة أجلس فيه...

-      وأنا كذلك، أجابت سعاد.

-      من المفروض أن تكون المقاهي كلها بديكور جيد مثل هذا

-       حينما تأتي لأكادير ستجد عندنا  مقاهي مماثلة وأفضل ورائعة تنسيك هذه...

هكذا بدأ التحدي في مزيد من الاكتشاف واللقاء في لأمكنة متعددة:مراكش- أكادير – الصويرة.....

بدأ الحديث عن الرغبة في سفريات مشتركة..كلها تعابير تعطي تزكية للحظات الحاضر وتزيدها قوة ارتباط وتماسك اللقاء...

بدأت سعاد تلملم ملف صديقها الجديد، وهي المرأة الفتاة التي لابد لها أن تعرف المحيط الأنثوي والأسري لصديقها: الأم، الأخوات ، الأب....هل من متزوجات داخل الأخوات...إنها تضع بأسئلتها ذاتها داخل فضائه الأسري الشرعي  تعويضا عن الرغبة في أن تكون لها أسرة وأن تكون أما لها أولاد وزوج وعائلة قريبة وكبيرة صغيرة وبعيدة...لم تكن هذه التعبير لتترتب داخل ذهنها بوضوح، لكن بعضها أكدته تنهدات خفيفة أذهبتها من ملامحها بتناول جرعات من كأس القهوة أمامها أو كوب ماء.....أو نظرة في اتجاه المرايا المتعددة التي تزخرف جدران المقهى.....محولة التنهيدة مع كل تبرم بابتسامة جديدة...

كانت أجوبة حميد صريحة بدرجة جعلت سعاد ترتاح لها وتفتح صدرها للحديث عن خصوصيات حياتها وعلاقاتها الأسرية، وهي التي تفتقد الأب والأخ والأم، لايمكن لوجود العم أو الخال أن يعوض وجودهم... ارتاحت أكثر لتواضعه في حديثه عن نفسه ودخله الشعري العادي الذي لايكفي لحاجيات العصر المتصاعدة، ومساعدته لأسرته في متطلباتها الحياتية ومحنة الموظف مع تفتيت ذلك الدخل الزهيد بين هذا وذاك من المستلزمات...تحدث معها عن تجربته في الخطبة التي لم تكتمل....ومشاكله في العمل التي لاتعجبه...كلها تصريحات جعلت شخصية حميد أكثر بعدا عن المجاملة والنفاق أو التغطية عن عقد النقص التي تصيب وتطبع شخصيات نماذج كثيرة داخل مجتمعنا...لم يحتج لإبهار سعاد وإيقاعها في غرام أوهام تشدها إليه أكثر فقد وجدها بدرجة نضج وترفع أغناه عن السقوط فيما ينتقد به غيره من نماذج داخل المجتمع..