Partager l'article ! الكتابة و الحرية: ...
الكتابة ألوان متداخلة ومشَكلة كاللوحة المرسومة.وأظن أن ارتباط الكتابة بالحرية الداخلية مسألة ضرورية وملحة.يتساءل معها الفرد عن الغاية من الكتابة وعن الوظيفة وعن الطريقة والاسلوب.
ولما نرى الثقافة الانسانية اليوم،وقد انفتحت على دوائر متعددة من اللغات والعادات والتجارب والفنون والآداب والابداعات المتنوعة بالحرف واللون والتقنية والحركة والرمز وغيرها من الاشكال،نجد الحاجة لجعل الكتابة أكثر انفتاحا على تجارب الشعوب وتطورها.
ولما نتساءل عن الحرية الداخلية وعن الحاجة اليها في الكتابة،وحاجة الكتابة الى الحرية الداخلية،تنهض قضايا دفينة فيها من التراكمات التاريخية المعقدة ما يصعب علينا رسم العلاقة البينة بين الحرية و الكتابة.
فهل يحق لنا أن نعتبر ما ساد من قيود سياسية واجتماعية ودينية وثقافية مؤثر على الكتابة وطريقتها واسلوبها؟هل يقيد الحرية الداخلية وحاجتها للتعبير الصريح والمريح بالشكل الذي يوافق جمال الذات،وجمال الابداع وجمال الحركة والرمز؟
يصعب تناول هذه الاسئلة،لأنها حطام متراكم لقرون وشمت المجتمعات ونُُخبها بأشكال إبداع وكتابة نمطية،تكون السياسة المجتمعية في مختلف الميادين الرقيبة عليها والحارسة على استقامتها.أشكال كتابة تحافظ على توازن علاقات المحيط والمعايير الموضوعة لتربية ذوقه وجمالية رؤيته وميول مشاعره... كلها حدود دائرة مرسومة حتى لا يحيد عنها الانسان الفرد الذي نريد الحد من حريته الداخلية،ومن خياله الجامح والمارد،ونجعل له معتقدا بالنسبية يرضى به ولا يخرج عن قدريته وقضائه..
من رسم الذوق والقوانين؟ألم نجد عبر التاريخ حركات اورتودوكسية،بالمعنى المكبل،لمحاولات التجديد والخروج من البناء والهندسة القديمين؟الم يُنعت كل من حاول الخروج عن الدوائر المرسومة بأشنع الاوصاف وألذع النعوت؟لا لشيء إلا لكونه تجرأ على الخروج عن المالوف،فحُكم على ذوقه،وعلى تشكيله،وعلى إبداعه،بالرداءة والبذاءة والدناءة...؟ ثم إنه بعد حين،قاوم،فرض التجربة،اكتسب أنصارا للذوق الجديد،والجمال الجديد، والابداع الفن الجديدين؟
وها نحن اليوم نعيش مع أجيال جديدة،انبثقت داخل حركة تجديد وتغيير،لكنها،بحكم أنها كانت مريدة وتلميذة متعلمة لِما مارسه الرواد في البناء الجديد للشعر والقصة والسرد عموما،أصبحت الحارسة لأبراجه وقوانينه،الحارسة لخضوع الداخل للنهج المرسوم،المستعملة لترسانة المعايير المهنئة تارة والموبخة أخرى،المشجعة والمحطمة.. هي بطلات الثورة التي انتقلت في مرحلة من ولادة الى اعادة استنساخٍ دون تجديد في البناء والاسلوب.وكل ثورة يصبح لها اورتودوكسيوها ومتطرفوها،الذين يحضرون لعقمها،وما عقمها إلا قانون تاريخ يؤمن بالتطور ،حرمت منه في لحظات.هذا التطور الذي يتطلب الجديد،فننزع عن المرحلة جلدها الذي كان صالحا في مرحلة ما من مراحل هذا الزمن الوجودي،وتجربة ما من الابداع،وشكل ما من الحياة...
ويتسع التركيب الى تفكيك تجارب الدوائر الثقافية باعتبار التجارب الحضارية،وحركة اللغة والكتابة داخلهما،فنلاحظ أن لغتنا ضحية لحركات نكوص وعرقلة وتسلط تاريخية،تمارس عليها بشكل ارادي او لا ارادي،من طرف طبقات من مستعمليها حراس ثوبها القديم،وثوار قاعتها في البناء الجديد.. وهي الناشدة للحرية والتطور وانفتاح ألوان التعبير...
الكتابة لا تؤمن بالقلاع المحروسة،تنطلق خارج الاسوار لتجد فرسها مهيئا لمعانقة الآفاق الرحبة المضيئة.
الحرية فرسي الذي يخترق المجهول، بسعة الحلم المأمول.وتصبح معه الكتابة حقيقة.
يصبح القلم حرا في خط طرق جديدة،ينفرد بكرامة حرية ليشيد صرخا بدون قيد ولا ابراج ولا حراس.فيه الكتابة عروس متجددة يوميا،دائما في لباسها الاحتفالي،في معانقة غريمها وعشيقها لأجل الحياة وكشف الحقيقة ورسم لوحات الجمال واكتشافات رمز الخيال،هما معا: القلم والكتابة.دستورهما الحرية والجمال والذوق المتجدد.دستورهما ديمقراطية تحترم خطهما،تصفق لسيرهما،تبارك خطوهما،تعترف بمنجزاتهما وما تولد لديهما.
تنهل الكتابة من ديمقراطيتها لتنال شرفها وقدسيتها الانسانية.حين تعانق وجدان كل فرد منا فإنها تحقق معجزتها التي لن تخبئها في اساطير ولا في خرافات متوهمة..