Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
Le blog de mondevenir/imami hassanإمامي حسن

زهرة النرجس 27

5 Juillet 2017, 06:06am

Publié par ( mondevenir ) de imami hassan

زهرة النرجس 27

مرّت تجربة العمل في المؤسسة التعليمية الخاصة كاختبار لحسن التنفيذ والسلوك والاستيعاب لتوجيهات الإدارة التربوية. استطاع فؤاد أن يكسب احترام طاقم العمل عموما. كما قام باجتياز اختبار السياقة والحصول على رخصتها مثلما اجتاز امتحانا في المعلوميات الأساسية.

هكذا لم تمر سنة حتى أصبح شخصية جديدة. إنما بقيت علامات الاستفهام مطروحة في ذهنه. فبدرجة الغدق عليه بإكراميات وجعل راتب شهري له، ولو أنه لم يتجاوز ثلاثة آلاف درهم في البداية، بدرجة التساؤل حول إقحامه في عالم الجماعة الطقوسي في الزاوية أو في المعسكرات المغلقة للتكوين المذهبي. هذا المذهب الذي لم يستبِن جذوره ولا نسقه العام. مرة تكون توجيهاته سماحة وعفو ورحمة وتعايش. ومرة يجدها صرامة ومواقف سياسية أو تحذيرية تجريمية. شعور عام لم يتركه يستريح كلما فكر أو حاول أن يفكر ويفهم ما يفكر فيه.

في آخر مرة، وهو راجع من خلوة الفيلا بإحدى شواطئ إقليم شفشان، طلب منه السيد عبدالجواد أن يوصل أسرته إلى مدينة مكناس. شعر بأمر خفي يقع. لم يتساءل عنه. ترك الأمور تقع كما أريد لها. سيكون سائق الأسرة في رحلة العودة، وستكون زوجة السيد عبدالجواد بخمارها جالسة بجانبه. سيخضع لامتحان أسئلتِها الأنثوية. رغم أن الخادمة بالغة لسِن الرشد وجالسة بجانب ولدي السيد عبد الجواد في المقاعد الخلفية، فإن ذلك لم يمنعها من اختراق العالم الخاص للسيد فؤاد الذي أصبحت تناديه سي فؤاد.

ـ تعلمْ، لأول مرة يجلعنا سيدي جواد نسافر مع شخص غيره. يبدو أنك عزيز عليه و يضع ثقته فيك. لكنني أتساءل عن هذه الكثرة من الأشغال التي تجعله يغيب عنّي أنا والأولاد. وتعلم أن المرأة لا ترتاح حتى يكون زوجها بجانبها.

يتابع فؤاد كلامها ويرد عليه بمختصر العبارات والكلمات. يستحسن ثناءها على أخلاقه و كلامه. يوصل العائلة إلى فيلا سكناها ويرفض الدخول للاستراحة من عناء السفر وتعبه. إكرامية السيدة اشترطت عليه فيها ألا يخبر بها أحدا حتى زوجها. من سيشاركه رزمة الأسرار التي أصبحت موزعة داخل كيانه وفؤاده؟ أسرار من جهة السيد عبدالجواد، وأخرى من جهة الجماعة التي يختلي معها في طقوس العبادة وأشياء أخرى، وثالثة في توصية زوجة السيد جواد، ورابعة في لقاءاته المتجددة مع السيدة أسماء زوجة موسيو الحسين الهراب بما معه من نقود وتبذير؟

يحنّ إلى سيجارته التي انقطع عنها لأيام عدة. الساعة تشير إلى التاسعة والنصف ليلا. أقرب مقهى مفتوحة ومريحة كانت بساحة الحديقة أمام القصر البلدي ومحكمة الاستئناف. يرشف قهوته السوداء المنعشة للروح والباعثة للذاكرة والمنشطة للفؤاد. تذكّره كلمة المحكمة بتجربته المؤرقة في السجن وبما وقع قبلها وخلالها وبعدها. يتناول سياجرة ثانية فثالثة. يسائل نفسه وكأنه أحسّ بعطش دفين لم ترتوِ الذات به ومنه وله.

ـ لِتكنْ ليلة منعشة للروح والفؤاد.

سيارة السيد عبد الجواد الراقية، ورزمة أوراق نقدية متوفرة، بعضها سرّيٌ للغاية. لماذا لا أجعله سريّا في الإنفاق وانتهى الأمر؟ هكذا ألِف سؤاله وجوابه فجعلهما ليلة حمراء بمقصف بيرّتها وعشائها ورقص علبتِها. والنقود تجلب الحشود. لكن حشده كان فتاة جميلة رأت في محيّاه الشاب المكتمل والناضج والجدي، ذاك الذي يحسب لخطوه ونشوته ألف حساب فتكون رقصته متزنة وضحكته محدودة وتحيته محترِمة. كان فراق الصباح بينهما ذكرى ليلة رائعة. تعجّب من قدرتِه الجنسية ومماسرته لها. فسّرها بفترة المعسكر الروحي. تساءل عن هذا التجاذب بين الروح والجسد، لم يجد جوابا أو لم يبحث عنه. خرج من الفندق مستحما ومتناولا لفطور مكتمل. أوصل السيارة لمرأبها قرب المدينة القديمة وجعل المفاتيح معهودة للمستخدم في قيسارية الذهب. إجازته مستمرة لخمسة أيام أخرى. سيرى فيها أسرته وقبلها سينام بعمق طفولي خلال ما تبقى من ظهيرة ذلك اليوم.

هكذا تحوّل التوجس إلى تأنيب ضمير بسبب ما يشعر من اقترافه من تناقضات. لا يستطيع تفسير حصولها كما لا يستطيع الفكاك منها. تعاش سيحتاج لما يأتي من الأيام و غرائبها. كلما فكّر في تعليمات الزاوية ودروس الفيلا، تلك الأخلاق المثالية في الاستقامة، وذلك اللباس الذي لا يتعدى مواصفات لباس الصحبة الكرام في أيام مجدهم عزّهم ونصرتهم لدينهم، وذلك الصوم من كل شيء إلا ما كان من جهاد يدخل إلى الجنة، وخير الدخول البطولي الاستشهاد في سبيل الله، كل هذا جعل الطفل الداخلي يخاف مما سيأتي فيلجأ للّعب بما أوتي من الحياة وأشيائها ومتعِها، حتى من الغناء والرقص.

يتذكّر أنه حينما غفا لساعة أو ساعتين بالفندق وبجواره ريم، تلك الفتاة المسماة على تسمية الفندق، فندق ريم، اختلطت بذهنه وفي حلمه جذبة الزاوية العارجة إلى السماء بالتكبير والتأليه مع رقصة العلبة المدخل في دوامة الأضواء والحركات والجساد والصرخات المثيرة. لحظتها شعر بأنه امتلك الدين والدنيا. لكنه فكّر في العيون المتجهّمة والمتربصة بكل منافق في الدين والعهد المأخوذ بين أفراد الجماعة. بعضها متعطش للجهاد لدرجة البكاء والتمني في الالتحاق بالإخوة المجاهدين في الشرق. يندهش فؤاد لكل هذه الزوايا وهذه الأسرار غير المتقاطعة فيما بينها. تزداد ذاته في التمزق الداخلي لكي تجعله يبحث عن التوازن والمسافات في كل ما سيأتي.

كان يوم خروج السيد عبدالعاطي من السجن احتفاليا. كان المقترح لشكل القيام به فؤاد، وكان الضيوف فيه كلٌّ من السيدين عبدالجواد والحاج حميد. حجز لصديقه السيد عبدالعاطي بفندق لا توجد في مرافقه حانة أو علبة ليلية، جعل عزومة وجبة الغذاء في مطعم حراء حيث التسمية والديكور يناسب ملتقى الإخوة وروحهم المشتركة. على الساعة العاشرة صباحا انتظر فؤاد صديقه المحرر من السجن. صادف يوم الجمعة. أوصله إلى بهو الفندق وتكره حتى استحم واستراح وغيّر ثيابه بأخرى أحضرها له بكامل متطلباتها، حتى ما كان من العطر المبارك بعبق المسك.

وجدا مسجد الصلاة الذي اختاراه مملوءا ما اضطرهما للجلوس فوق حصيره وسط الطريق الذي تحوّل لساحة مسجد يؤدي فيها المصلون صلاة الجمعة. ادى ركعتي التحية وجلس بجانب السيد عبد العاطي. التفت جهة اليمين لتذكر بأنه يجلس في مفترق طرق بين مسجد النور وفندق ريم ومطعم الأهرام. هناك في الفندق كانت لياليه الصاخبة. وهناك في المطعم كان تناوله قبل ثلاثة أشهر خلت لوجبة غذاء مع السيدة أسماء. وهنا في المسجد بدأ السيد الإمام خُطبته بما هو معهود من مقدمات، لكنه ركزّ فيه صلب موضوعها على ما يقع في البلاد الإسلامية وما يجب على المسلمين محاربته والجهاد من أجله. تكلم السيد الإمام عن الكفار وأشدهم عداوة للإسلام. لعن الشيعة والصهانية كما لعن النظام السوري ودعا لإزالته وإزالة كفره الجاثم ظلما على رقاب المسلمين بسوريا. وبينما رفع المصلون أكفهم تضرعا في الدعاء الذي  يباركهم بهم السيد الإمام والذي يلعن فيه الكفر والكافرين قام أحد الجالسين أمامه مستنكرا ورافضا الاستمرار في الدعاء كما الصلاة. اعتبره البعض مجنونا أو أنه هرب له المخ بتعبيرهم فيما بعد. بينما قطّب بعضهم في وجهه لوما أو خوفا منه، لكنهم لم يقدروا على قول شيء التزاما بالأمر ـ النهي: من لغا فلا جمعة له.

كان فؤاد مطأطئ الرأس خاشعا مع الدعاء، وكان السيد عبدالعاطي مرددا له بصوت يزداد جهورية: آمين، آمين.

فيما بعد، أسر لصديقه فؤاد بأنه ينوي الالتحاق بصفوف المجاهدين في الشام وبأن رؤيا الاستبشار بالجنة حضرته قبل أيام من خروجه من السجن.

Commenter cet article