Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
Le blog de mondevenir/imami hassanإمامي حسن

زهرة النرجس 24

2 Juillet 2017, 09:42am

Publié par ( mondevenir ) de imami hassan

زهرة النرجس 24

ـــــــــــ

قصدت السيد الكيوي وحكيتُ له ما وقع. طلب مني الانتظار. في خمس دقائق كانت المحفظة حاضرة بنقودها. حينما أرجعتُها للسيد عبد الجواد، أخذ محتوى النقود وطلب مني إعطاءه للمعني به، بينما رفضت أن آخذ منه مبلغا ماليا أراد تسليمي إياه. ها أنت آ سي فؤاد: نتعايش بالحلال داخل دائرة الحرام، عسى أن يغلب الأول الثاني.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

 

 

كان يوما مشهودا. لم يكن فؤاد ليفكر في البحث عن جريدة تهتم بأخبار الفضائح والمحاكم. سرى الخبر بين دروب المدينة القديمة مثل خبر دخول رمضان أو خروجه برؤية الهلال. تصفّح عدد ذلك اليوم من ثلاثاء من شهر نونبر. في الصفحة الأولى عنوان عريض: (تورط مسؤول بنكي في اخلاسات كبيرة). إنما التفاصيل غير واردة. يدعو النعوان إلى النظر في الصفحة الثالثة. تذكر فؤاد أن الجريدة تجعل الصفحة الأخيرة لصورة مثيرة كل يوم لجسد أنثوي وألوان زيه الفاتنة. أطلّ على الصفحة الأخيرة، لم يتغرِه الصورة ذلك الصباح كما لم يغره التعرف على خظه في لعبة الأبراج والأوروسكوب. بحث عن الصفحة الثالثة ليجد التفاصيل الأولى للخبر: اهتزت مدينة مكناس على فضيحة مالية جديدة. مدير وكالة بنكية يسطو على حسابات زبنائه ويقيم مشاريع في العقار والسياحة ويفر من البلاد بعد أن أغرق السفينة بركابها في الإفلاس. يبقى المصير مجهولا للسيد المدير وللودائع المالية للزبناء.

لا يعلم فؤاد كيف بدت له صورة أسماء وهي تصرخ وتنهار. عاد لتصفّح الصفحة الأخيرة من جديد، ولم يجد في ابتسامة النجمة السينمائية ما يطمئن تخمينه. رفع بصره لطاولة مقابلة فلاحظ أن الشخص الجالس فيها يتصفح نفس الجريدة. بدت له الصورة معروضة فيها، لكنه تبيّن أن رؤيتها في جريدة الآخر جعلتْها أفضل وأكثر إثارة. راودته ابتسامة مجهولة التفسير. سارع إلى إشعال سيجارة. كان دخانها مساعدا على استرجاع صورة أسماء من جديد. لم يلتقيا بعد ضجة المقهى خارج المدينة. منذ مدة وهو يفكر في قدر علاقته بأسماء. في كل مرة تكون هناك مشاكل مربطة بها رغم أنهما لم يجعلاها علاقة متينة في صداقة أكبر. فيوم أرادت أسماء أن تصالح التاريخ مع ابن حيّها وتضمد جراحا عفوية في وقوعها، كان مشهدا دراميا وتلفزونيا تجلس فيه أسماء ورضيعتها في مهدها الوردي في مقهى محطة بنزين مع فؤاد ابن حيّها. وكأنها احتمت بمهد الطفلة لكي تجعل للقاء قداسة وطهارة نية و قصد. لكن الصدف تشاء أن يدخل موسيو الحسين رفقة فتاة لأجل وجبة شواء بمطعم المحطة. كانت الصدمة متبادلة، لكن موسيو الحسين وبسبب سوابقه كان المتورط الأكبر فيها مع رفيقته الشابة وصغيرة السن. يومَها برّرت السيدة أسماء بأنها فكّرت في مساعدةٍ لابن حيّها من أجل الخروج من أزمته الاجتماعية. والدليل أنها في مكان عمومي ومعها ابنتها. بينما لمي جد موسيو الحسين بم يستل به ملف تورطه مع شابة حسناء مثيرة بماكياجها ولباسها وتصغره بعشر سنوات تقريبا، خصوصا وأن صدى مغامراته يصل بدون دليل، لكن هذه المرة تأكدت كل الأدلة والإشاعات بما فيها ورطة الفندق الكبرى.

أن تكون عملية التذكر مثل بركان يتقد بحمئه و يغلي بنيرانه داخل ذهن الإنسان، فذلك ما عاشه فؤاد للحظات جعلتْه يفضل المشي على البقاء جالسا في هذه الطاولة وبين يديه هذه الجريدة اللعينة. دوى صفير القطار الخارج من النفق وهو يعبر الجسر فوقه. وقف يتأمل المقطورات وهي تتابع في التسلل كأنها هاربة من سكة تتلقف أثرها. أعاده المشهد ليوم انتظر أسماء فوق نفس الجسر. تأمل المشاهد المفترضة. ازدحمت في ذهنه بين الماضي والحاضر، الذكرى والحدث القائم. جدّد داخل وجدانه ألف مبرّر للتعاطف مع السيد أسماء. خصوصا وأن الخبر انتشر بين المكالمات ورسائل الهواتف. انتظر فؤاد مدة أيام قبل أن يصادف السيدة أسماء في زيارتها لمنزل العائلة بالمدينة القديمة. سلّم باحترامٍ ودعا بالفرج وإبعاد البأس، كما سأل عن الأميرة الصغيرة آية. لم يرد أن يضغط على الجرح. أعطى الابتسامة والتحية حقهما وواصل قصده في المسير. وتلك كانت بوابة جديدة، جعلت السيدة أسماء تزيد من السؤال عن أحوال فؤاد فتتضح لها آفاقه وعلاقته المتميزة التي جعلْه يعيش مستقرا وبطموحات وعلاقات رفيعة.

بينما اتضح للرأي العام المهتم بأخبار الفضائح والاختلاسات تفاصيل ملف موسيو الحسين. بدا كبطل رواية أجنبية حيث لم يترك كرامته تهان في نهاي القصة، رغم أنه مجرمُها والمتورط فيها. تضاربت الأخبار والاجتهادات، بين بّنَما وإسبانيا وآسيا. هو في كل مكان. هناك من رآه هنا أوهناك. تبدو على ملامح المتكلمين في القصة الدهشة والإعجاب. لم يكن اللوم ليصمد أمام تحيّتهم بطولته و قدرته على الانفلات من قبضة المحاكمين له، وكأنهم يمنّون نفسهم ويتمنون لو كانوا بدلها في النجاة من قبضة عدالة، خصوصا وأن الحديث أصبح عن ملايير وليس عن ملايين أخذها معه. حتى فؤاد، هو الآخر وقع في فخّ هذه الفكرة حينما كان مارّا أما سينما كاميرا بالمدينة الجديدة بتخيّل صورة موسيو الحسين بشاربه الرقيق وبدلته الأنيقة وابتسامته الماكرة معلقة لبطل فيلم بدل صورة البطل لفيلم (بدون هوية) للممثل الأمريكي ليان نيسون.

هكذا كبُرت القضية وعجز المحللون عن التفسير مثلما عجز المسؤولون عن إيجاد حل. نسبوا لموسيو الحسين عشرات المشاريع، وجعلوا له عددا من المليارات، بل منهم من قتله وورّطه ما إحدى المافيات الإيطالية أو الروسية. لا يعدم الخيال وهو يعترش كراسي المقاهي و يلوك الكلام كشبح يستلذ بتمثل تشخيص عبقريته في إخراج متجدد عبر الألسن صباح مساء.

في نفس أسبوع الفضيحة، كان فؤاد قد عاد لتوّه من رحلة الأربعين يوما رفقة السيد عبد الجواد. رحلة الجماعة والذكر والدعاء والتعبّد. رافقه فيها إلى مدينة وزان حيث بقيت أسرة السيد عبدالجواد مع أهلها هناك، وتابعا رحلتهما ملتحقين بجماعة الذكر بإحدى شواطىء إقليم شفشاون المطلة على البحر الأبيض المتوسط. رياضة تقليدية في المشي والسباحة وركوب الخيل والبغال. صلاة جماعية في أوقاتها ونوافل وذكر ودعاء وابتهالات. جلسات موعظة ودروس في الجهاد والاستقامة. وبقدر الصفاء الذي حققه فؤاد داخليا بقدر الآفاق التي رُسمت للذات والحنين للمجهول. فكلّما توغلّت نفسه في معرفة الطهارة الأخلاقية والسلوكية التي ستنخرط فيها كملاك من الملائكة، لا هي بأنثى و لا هي بذكر، كلما راوده تهديد داخلي يشعره بفقدانها وحرمانها وظلمها. لذلك كان تلقّيه لخبر وفضيحة موسيو الحسين كريح غربية جاءت مسرعة برطوبتها وحاملة لسحب ممطرة ورذاذ سرعان ما زيّن للوجدان ما جعله يحنّ لشيء ما، لمدينة ما، لاسم ما، لأسماء ما، لسقاية ما.

Commenter cet article