Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
Le blog de mondevenir/imami hassanإمامي حسن

زهرة النرجس 23

30 Juin 2017, 06:09am

Publié par ( mondevenir ) de imami hassan

استمر حجزي في مركز الدرك لخمسة عشر يوما. وكأنني أعوذ بنفسي من نفسي. لاخوف ولا ارتياب. كان الحجز معاملة طيبة. حذر، واستعلام، ومراقبة. كان سخرة وخدمات أقدمها للدركيين في سقاية أشجار الحديقة أو توصيلة تغذية... عاد الاسم بدل اللقب. عاد عبدالعاطي. توصّلوا ببرقية من مدينتي. عدتُ لها في لباس نقي ومظهر محترم رفقة سي علي، ذلك الدركي الذي أصبح أخًا لي. ما يزال يرسل لي السلام ويسأل عن أحوالي ويقدم لي المساعدات.

كان أبو ذرّ قاطع طريق ومهمَّش مجتمعه، ودخوله في الإسلام كان معجزة فطرة وإنقاذا لها. الإسلام أمل المحرومين والمجروحين، وأملي بدأ بالتسليم بالقضاء والقدر وعدم رفضهما. لقيتُ عقوبة تخفيف. تعجّب الكل في قاعة المحكمة لها وأصبحتُ الغريب عما كنته. يوم الخروج من السجن، عدتُ للحي الأول. بجوار الغرفة مسجدق صغير رمّمَه المساكين لكي يختلوا فيه لمناجاة ربهم وللهروب من واقع قصدير وازدحام وضيق عيش واستفحال جهل. كان المسجد دائرة نور وسط ظلمة حالكة، بقعة طهارة داخل مستنقع سلوك البشر. لم أجد حرجا في ولوجه، وولوج مكان الوضوء للطهارة. أؤدي صلواتي مبلّلا ثيابي وأطرافي مع الناس. في البداية، كانت شعائر فارة، لكنها بدات تمتلىء كل حين بما تيسّر لإمام المسجد من أن يلقّنه لي. شيخ يسكن تاريخ الإنسان قبل أن يقف لإمامته في الصلاة. مدّني بفوطة لتجفيف ذلك البلل في أطرافي و ثيابي ووجهي، ودعاني للاحتفاظ بها. سأل عن حفظي للقررآن والأدعية وكتب لي بعضها في قصاصات أوراق صغيرة. يدعوني لتناول صدقات الإفطار في رمضان ووجبات الكسكس أيام الجمعة. وقد تعلّق الابن اليتيم بأبيه الروحي وعانقه بكاء يوم اهداه جلبابا أبيض لكي يخصصه للصلاة.

بدأت أخرج كغلالة من قوقعتها وصيامها. أتدحرج في الخطو الثابت، وما عُدِم من رضي بقضاء الله وقدره. عملتُ حمّالا في سوق الجملة ثم في السويقة. احتجزت حيّزا مكانيا لأجرب البيع والشراء على رصيفها فأصبحتُ خضارا بلغة الناس والساكنة.

ـ وكيف كانت علاقتك مع السيد عبدالجواد؟

ـ الأشرطة الصوتية !

يتعجب فؤاد لهذا الجواب المختصر والمغلق و المبهم. يسترجع عبدالعاطي نفَسًا منتشيا بنصرة الحيك والسرد والتشويق. يعلم وقع هذا الجواب في ذهن فؤاد وذهن كل متلقٍ لمثله ممن حاورهم فسألوه. بقيت عينا فؤاد جاحظة في وجه وقسماتٍ توزعت عليها ابتسامة الإخفاء للعبة الكلام. أدرك أنها ما هي بلعبةٍ بقدْر ما هي  محطة تبني العلاقة وتجيب على السؤال في آن. ولعل بداية علاقة عبدالعاطي مع عبدالجواد بوزن بداية علاقة عبدالعاطي مع فؤاد، لكن أيًّا منهما لم يحدس المسألة مباشرة و بشكلٍ واعٍ.

ـ تغيّرت علاقاتي بعد الخروج من السجن. من إمام مسجد بالحي إلى جماعة المصلّين إلى مباشرة رد التحية والسلام بين الدروب وفي التجارة. تداول أشرطة صوتية كان بوابة عالم جديد. بدأت أتفقّه في الدين وأطوّر عبادتي وسلوكي ومعاملتي. عفوت عن اللحية، وقصصت شاربي، وأصبح عود الأرك سيجارتي والمسك عطري. بدأت عيش وألفة أفكار شيوخ كبار عبر دروسهم في الوعظ والإرشاد.

ـ والسيد عبدالجواد؟

ـ في صبيحة يوم خميس، وقد زامن منتصف شهر شعبان لتلك السنة، بدا رجلا حائرا، يذرع المسافة أمامي في السويقة ذهابا وإيابا. كانت السويقة غير ممتلئة بعد، وهي فرصتي للاستماع لأحد الأشرطة الصوتية. أظنه كان شريطا عن الصلاة وحكم تاركها. ألِف الجميع نشاطي وأشرطتي. الكل يعرف عبدالعاطي بأشرطته في السويقة. يخترقك سمعها بأمتار قبل أن تصل إلى مصدرها، وتعرف أنه عبدالعاطي في مناخه الديني والأخلاقي. تقدَّم السيد عبدالجواد مرتابا، جزعا. استسمح في الكلام:

ـ السلام عليكم ورحمة الله. أستسمحك في طلب مساعدة وإيجاد حلّ لمشكلة طرأت لي هذا الصباح. لا أدري، هل انتشلت مني أم شقطت أرضا في سهو وعدم انتباه. هي محفظة صغيرة، فيها بعض النقود، لكن ما يهمنّي هو الأوراق الموجودة معها. لاتهمني النقود، فقط أحتاج لاسترجاع تلك الأوراق وإن اضطرت لإضافة نقود أخرى عطاء لمن يجدها. هيأتُك واهتماماتك جذبتني لألاحظ فيك جدية والتزاما وربانية كبيرة.

دعوته للاستراحة على كرسي بجانب السلعة. طلبت منه الانتظار لأذهب وأنظر ما يمكنني فلعه. غبتُ لنصف ساعة تقريبا قبل أن أعود والمححفظة في يدي بكامل محتوياتها. سُرّ السيد عبدالجواد لذلك طبعا. عانقني وأثنى على مساعدتي له. من يومها بدأت أخوة حقيقية بيننا.

ـ كيف وجدت الحقيبة المفقودة؟

ـ ربما الصدفة ساعدت على ذلك. لكنني أعرف خبايا السويقة وما يدور فيها. البيع والشراء في الخضر والفواكه هو الواجهة الظاهرة، أما ما خفي فهو أعظم كما يقال. أعرف المتسولين والنشالين والمجرمين وأصحاب الرشوة وأصحاب الغش والاحتيال، والعلاقات الاجتماعية وأشكال الفساد المنتشرة والمتنوعة الموجدة فيها وبجانبها. خلف السويقة هناك مقاهي شعبية، وكل مقهى معروف برواده وزبنائه، ومجال السويقة حِكرٌ على جماعة نشالين يتزعمهم في تلم الفترة شخص اسمه الكيوي. ربما كنتُ شيخه في الانحراف لو بقيتُ في طريق الضلال، لكنه يحترمني ويعرف من أنا. حينما يمر في السويقة يقبّل رأسي وكتفي ويطلب مني الدعاء له بالعفو. كل المغاربة يطلبون العفو من الله يوميا ويستمرون فيما هم فيه.

Commenter cet article