Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
Le blog de mondevenir/imami hassanإمامي حسن

زهرة النرجس 22

29 Juin 2017, 12:50pm

Publié par ( mondevenir ) de imami hassan

زهرة النرجس 22

يستحضر فؤاد باندهاش ما حكاه له السيد عبدالعاطي. يستغرب لهول المغامرات التي عاشها، ولا يجد في حياته ما يقارنه به درجات الخطورة والتحدي والتحول التي عاشها السيد عبدالعاطي.

حينما سمع السيد عبدالعاطي قصة أبي ذر الغفاري رفض اللقب الذي جعله له أحد رموز الزاوية التي أصبح مريدا بها. يروي لفؤاد ما سمعه عن شخصية هذا الصحابي الجليل، ويبدي احترامه وشغفه به، لكنه يجترح بتشابه روحيهما في جحيم الفراغ الذي عايشاه قبل الهداية إلى الطريق المستقيم. يسرّ له بكاءه في لحظة انزواء داخلي كطفل صغير. لم يستطع أن يفسر مع دموعه سرّ انهمارها كسيل جارٍ. لم يفارقه الخوف من تهميش جديد قد يهدّده به المجتمع مثلما تمّ تهميش أبي ذر فيه في الحجاز. لقد عانى أبو ذر وكأنه لا قيمة له في مجتمعه الإسلامي الذي جعله أبوة وامومة وأخوة وبنوة. كان أهله هو الإسلام، وكان أهل السيد بعدالعاطي هو الإسلام كذلك.

يعلم هذا الأخير ما تركه كجماعات معاشرة ورفقة. عالم جريمة واتجار في المخدرات والممنوعات وجعل بشروط عيش اجتماعي أليف. ويعلم أن هناك من يعبث بنعيم الدنيا الذي جعله الله تعالى للبشرية جمعاء، لكن هناك أيادٍ تستحوذ على كل شيء فلا تترك للفقراء والمحرومين والأرامل والشيوخ حظًّ للعيش الكريم.

ـ لا أخفيك. حينما أقرأ الآية الكريمة:

" إن هذا أخي له تسعٌ وتسعون نعجة وليض نعجة واحدة، فقال أكفِلنيها وعزّني في الخطاب. قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وغن كثيرا من الخلطلء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وهمِلوا الصالحات وقليل ما هم."

ردّد السيد عبدالعاطي عبارة( وقليل ما هم ) وصمت لثوان، ثم بعدها استمر في فكرته:

ـ تجدني انظر في عيون السامعين للآية. في ردّ فعلهم وهم يقرؤونها. تجدين أنظر إلى نفسي وأنا أتأملها. أستاءل: كيف لهذا الإنسان أن يأكل حق أخيه. هذا ما نعيشه اليوم. هؤلاء المنحرفون الذي خرجت من دائرتهم هم نتيجة من أكلوا حظ المحرومين.

لا يهم السيد عبدالعاطي من هو معتنق للإسلام بقدر ما يهمّه ذلك الشعور بأن الإسلام هو موجٌ رفعه ونجّاه من مستنقع أفاع وجحور جحيم ليقذفه بوداعة فوق برية جزيرة خضراء بساطها إيمان وتحليقها صلاة وفاكهتها حلاوة حبّ في الله ولله. وكأن السيد عبدالعاطي خريج المدراس الصوفية التاريخية، لا يبالي ولم يبالِ بأي اعتراض على تصوره الذي استنتجه وعبّر عنه، ما قد يعلّق عليه به الآخرون:

ـ من حقه أن يختار كيف يجاور ربه. لعل الله أراده بالصلابة والقوة في الإيمان والعبادة والأفكار. طوبى له.

يتابع فؤاد حكيه محاوره ومحدّثه. يندهش لتداخل الأفكار وتناقضها في ذنه للحظات. يندهش لدرجات التشبيه التي تتخلّل كلام السيد عبدالعاطي. يتأمل عينيه، ويجد فيهما مدًّا بحريا من اليقين والثقة ببلوغ مراده وشطّه. يضطر لقراءة ما كُتِب عن شخصية أبي ذرّ، فيقارنه بما سمعه من سيرة عبدالعاطي. يوم كان فتوة الجبال والكهوف. طفولته التي هجرته يتيما فوجد في أٌقران درب المغامرة والمشاكسة والمنافسة والتقاتل حول كل شيء. وفي كل مشكل أو صخب يزداد ابتعادا عن دائرة التمدن والحياة البشرية العادية. كان حظه من التهديدات، وهو صغير السن، من طرف بعض المستلّطين على ضعفه وصغره، كافيا لكي يجعل خطّ السكك الحديدية المنحدر شعابا والمخترق لحدود حيه الشعبي والصفيحي، هو دربه الأول بين المواجهة والهروب. وكانت كهوف مقلع للرمال، منسي ومهجور، مملكته التي بنى عرشه فيها وحقق الزعامة لعصابة الأربعة، تلك الزعامة التي استحقها غلَبة وتجدّيا وشجاعة وملاكمة ومصارعة مع رسم خارطة الجسد الموشوم بآثار الجراح وتوقيع السكاكين والأسلحة البيضاء لتاريخ معارك بطولة وفتوة عصابة، حتى إن كل وشم أو أثر جرح هو توقيع لحدث وزمن وشخص وعراك ما.

حينما يدخل للسوق الشعبي أو السويقة بلغة أصحابها، ينال ما يريده من تجاره اتقاء شرّه وجبروته. عالم مخدرات وخمور وصراع عصابات لا يريد أن يستحضر لقبه فيه محوا لتلك المرحلة من الذاكرة. كانت جاهلية حقيقية كما مارسها وعبّر عنها وحكم عليها.

ـ ستستغرب حين رؤيتك لهذا الماثل أمامك. أي مقارنة بين شخصيتين؟ فعلا، لا مقارنة. ولكن حينما تأتي الهداية فهي تشق نورها في دهماء العتمة والظلام لكي تبدو قَبَسًا يكبر حتى يصبح شمسا مشرقة. والله تعالى يقول: ( يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام، ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم ).

يبدو على ملامح فؤاد انقباض وغصة في حلقه. قد يفسرها السيد عبد العاطي بعجزه عن الفهم، وقد يفسرها فؤاد باندهاشه من امتلاك شخص عادي كان مجرما فيما سبق لثقافة وحفظ للقرآن وتحليل للأفكار. لكن هذا التخمين السلبي سرعان ما يبعده كل واحد منهما. ويتابع السيد عب العاطي داخل هذا التعثّر النفسي الداخلي الخفي:

ـ أنا اعلم بظلماتي. ما أبشعها. مات أبي مقتولا وأُهمِل قضية. انزوت الأم مكلومة بالأسى والحزن والمرض. وفي بعض الحيان يكون المرض هروبا من الخوف. وكأنني كنت ذلك الوحش الذي سيتهيّأ لمواجهة مصير عدالة غائبة. روّضتني الفيافي والكهوف ومنطق الغاب. حينما هممت بأخذ الثأر وجدت أن القاتل لأبي قد مات مقتولا. كما وجدتني وحشا يصعب إرجاعه لألفة اجتماعية أو مدنية كما يسمونها. كانت روحي خلال تلك المدة مثل طائر جريح، وكانت ضحية انفعالاتي أمي كذلك التي قسوت عليها وعلى مرضها وصمتها وعدم صراخها. لكنها يوم ماتت شعُرت بروحي تستلني أو تريد الخروج مني ومن جسدي وماديتي وفتوتي. كان الخبر صاعقة مُرّة تجرّعتُها فتقيّأت ما شربته يومها من ماء الحياة. حتى حشيش المخدرات أصبح سبب صداع وتمزق لشبكة الجهاز العصبي. احتضرت إلى درجة الموت. فررت من واقعي وهمت في أرض الله الواسعة والشاسعة.

ـ كنت اهذي وأعبر الطرقات حافي القدمين بثياب رثة، بلحية وشعر أشعثين، أمشي كالمجذوب الذي تفجر بركان طفولة محرومة داخل عيني وحش تحضّر للجريمة. متى عدتُ لحاتي الطبيعية؟ لا أدري كيف. إنما يومها وقفت أمام مقر للدرك الملكي في طريق قرية جنوبية:

ـ ماذا تريد؟ سألني الدركي هناك.

ـ أنا تائه. إنما أنا مبحوث عنه كذلك في مشاجرات ومخدرات.

Commenter cet article