Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
Le blog de mondevenir/imami hassanإمامي حسن

زهرة النرجس 19

20 Juin 2017, 14:04pm

Publié par ( mondevenir ) de imami hassan

زهرة النرجس 19

رغم الحساب البنكي والشقة والسيارة، كانت تتوق لتحرر آخر وحياة أخرى، إلى مكان تكون فيه حياتها مشروعة ومحمية بالقانون، لا في مكان يرفعون فيه المراة كزهرة نرجس مشتهاة ويسقطونها كنفاية في زبالة التاريخ. كل ليلة تعتبرها خروجا من جحيم، ما دامت كل ليلة هي عمل وحياة خارج القانون والشرع والأخلاق.

تزايدت مخاوفها حينما أصبحت نظرات البعض غيضا و كراهية، بل منهم من يُسمِعها وابل الشتم والسباب، ليس لشيء سوى لكونها عاهرة و فاجرة بحسب تعبيره. لباسها الذي تذهب به للسهر، عودتها مع طلوع أشعة الشمس، دروب الالتقاء التي يتقاطع فيها المارة فتجد حينها من يمارس النهي عن المنكر بأشد وأغلظ الأيمان والوعيد والتهديد. وكان نعمة ومثيلاتها سفيرات هذا المنكر وحطب جهنمه. طنجة لا ترحم مثل موج البحر الذي يتقاذف بالمركب الصغير، لا يهمّه غن كان يقتات لعياله او يعبر مضيق جبل طارق لكي يحقق حلمه. طنجة، تستقبل ضيوفها، قد تعلّي من شانه، قد ترديه أسفل سافلين، وقانونها قانون كازينو، أدخل بالمال واخرج عاريا إلا من لذة مغامرة ومخاطرة. لذلك قد تشفق نعمة على احوال من تشددوا وتزمتوا، على حال أولادهم الذين التهمتهم نيران الفتنة والمتعة في طنجة. لكنها سمكة خارج نهر براءتها الطاهرة الذي ترعرعت فيه كطفلة وكصبية. نعمتُها في تسميتها و في جمالها، و نقمتهما فيهما مع كذلك. هكذا أصبحت لها فلسفة تبوح بها لحظات استراحة حين الاستيقاظ من النوم، وما تكاد تصدق أنها على قيد الحياة. كل ما تمر به ليلا حبائب و شراك منصوبة للإيقاع بالزبائن و بخاصة الجدد الأغبياء الذين يسيل لعاب غرائزهم من أجل المتعة وتلبيتها.

ـ كيف لا يكون حمارا وقد بلّل سرواله بمنيّه وهو جالس في مقعده. اللعنة عليه. الكلاب وتتحكّم في غرائزها. ههه، ذلك السكران في بيتش كلوب، طلّق زوجتَه عبر الهاتف إرضاء لفاتنة بجمالها ونيل قُبْلة منها أمام الملأ. اللعنة.

لم تصدق نعمة نفسها حينما أتتها الفرصة ناضجة ومكتملة كانها في فصل ربيع لتفتح زهرتها تلك. أتتها الفرصة للهجرة إلى الديار التركية، حلمها الذي تراه نجوميا في تحقيقه، كأنها ستقوم بسفر في الفضاء. رافقتها دمعة الفرح. فعلا كانت دمعة فرح. الاسم: عبد الكبير العمري. ومع تصغير وتحبيب يناديه الجميع ب كِبِير. ومع المزاج والقلق ترتفع حركة النداء: كبّور. أم في تركيا فيختصر كل هذا بمناداته ب: كَبُور.

يقهقه ذو الشارب الكث والقامة الطويلة والذراعين الصلبين مع الوشم الأخضر الذي يزيّن يمناه، ويعلّق أمام فاتنته نعمة:

ـ ناديني حُبًّا بعبد الكبير. وفي أوربا ب(كبير)، وفي تركيا بكبور.

دامت علاقتهما ثمانية أشهر. سافر خلاله هذه المدة خمس مرات تقريبا. اثنتان لإيطاليا وثلاثة لتركيا. كلما سافر ترك لها قدرا ماليا مهما بين الشعرة آلاف درهم و العشرين ألف، إلى ان اقترح عليها في لحظة فكرة الزواج والهجرة إلى تركيا.

ـ تركيا. مرة واحدة. بلاد غريبة ولغة غريبة كذلك. هكذا علّقت إحدى صديقاتها.

كان خوفها وارتيابها من نفسها أكثر من خوفها من تجربة زواج مع عبدالكبير. فأن يسلخ المرء من لباس نفسية ومشاعر و ذهنية وأفكار وعادات، أمر يشبه الموت. هكذا عاشت ليلة بيضاء في أرق، تبعتها نومة عميقة استغرقت تقريبا ستة عشر ساعة. لا تقوم إلا لمرحاض أو لشرب ماء.

ألفت نعمة حياة طنجة وأرادت حرية مثالية خارج طنجة وخارج بلدها المغرب. تركيا بالنسبة لها مطاعم وفنادق وملاهي ليلية ومراقص وسياحة. أما بلدها فجل الناس فيه حين تعبّر غضبا تدعو: الله يعطينا شي هزة من هاذ البلاد. قد تبتسم في لحظات تروق لها فتعلّق إذا سنحت الفرصة في المزاح: الحمد لله أنك تريد هزة من البلاد ماشي في البلاد وإلا كنت ستردمنا وتدفننا هنا وتردينا معك خرابا ودمارا.

إسطنبول وجسورها والحكايات التي تروي سحرها. ودّت لو كانت دعوة لعطلة سياحية للسفر والمتعة ثم العودة من جديد. لكنها دعوة رسمية ستحد من كل تجاسر وكل سلطة حرية فردية تكون نعمة المسيري قد اكتسبتهافي طنجة. تحاول أن تعيش بالنظر إلى الأمام دون حكّر على الجراح، دون التفات إلى الذاكرة المُرة التي تختفي خلسة كخط خفي بين خلايا خصلات شعرها الذي أصبح بمظهر و لوك جديدين وحلة جديدة هنا في طنجة.

تضحك ملء شدقيها كلما اجابت عبر الهاتف مستقبِلة أو متصلة:

ـ هنا طنجة. هنا المريخ.

تكون الجملة لازمة متداولة بين أفراد الشلة والرفقة التي تشكل مجتمعها الأقرب. أم العائلة فلا مجال لحضورها هنا. تزور أهلها في العيدين، عدى ذلك فهي المشتغلة في شركة بطنجة، وهي المهاجرة إلى إسبانيا أو إيطاليا. هذه المرة ستكون متزوجة في تركيا. لكنها هذه المرة ستكون بأوراق رسمية وخبر صادق. تعلوها حمرة فوق خدّيْها تذكرت معها طفولتها وخجلها البريئين. ليتهما عادا في هذه اللحظة. لكن سرّ قدر فؤاد يتسغرب و يتساءل في محلّه من الإعراب داخل يم هذا البحر من الكلام. ورطة تهشيم رأسها وقد غيّرت مسار حياتهما، فهل سيكون قدره في روح وقدر نعمة أم في قوس حياة عبدالكبير العمري؟ وهل سيكون العالم قرية صغيرة فعلا؟

فيما مضى، كانت الصدفة في اللقاء الذي يجعل تواجد شخص في نقطة أوجدت شخصا آخر، تباعد امكنة قرّبت الصدفة فيها بين الأشخاص. اليوم، معادلة القرية الصغيرة اختزلها عالم النترنيت ليجعل التقارب والتواصل بين الأفراد و ليكسر قياس الزمن والساعة والنهار والليل على مدار الكرة الأرضية على الأقل. فأي فلسفة سينخرط فيها قدر فؤاد بين خيوط هذه الصدفة؟

Commenter cet article