Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
Le blog de mondevenir/imami hassanإمامي حسن

زهرة النرجس 11

17 Mai 2017, 08:23am

Publié par ( mondevenir ) de imami hassan

زهرة النرجس 11

يراجع في منامه ما وقع من أحداث. يحاول إعادة الإخراج لمشاهدها. يرد على نعمة بالاعتذار في مناداتها بغير اسمها، تقبّله و تذرع كتفيه في انتشاء. يباغته تعيير أمه:

ـ لو كنت مثل أسيادك، خدموا وتزوجوا بنات الناس والعرَض.

ـ لا يا أمي. جملة تنطقها دموعه الحارة التي تنذرف في ظلمة الزنزانة كجمرات حارقة، يشعر معها كأنها خيوط الموت التي تبدأ في تشريح الجسد وتمليحه. يضطجع دافنا رأسه في وسادة وجدار بارد وأصمّ.تُسَعّره نحنحات أجساد نائمة كأنها فحيح أفاعٍ قد تتسلّل للدغه. يفتح عينيه على جرح اليقظة، منتظرا تسلل ضوء الفجر وما يعِد به من جديد.

ـ لولا الغد الآتي لكنا انتحرنا جميعنا هنا يا فؤاد.

هكذا يخاطبه بفلسفة مثيرة، عبدالعاطي أبو إسلام، المحتجز معه في الزنزانة في قضية تهجم على رجال السلطة في سوق شعبي لبيع الخضور. شخص مربوع وقوي البنية. لحية ليست بالكثة لكنها تعمّر جنبات خدّيه وذقنه ويعفو عنها ليقص شاربيه دونها. وصف استأنسه فؤاد في ثقافته المجتمعية والدينية المغربية. حتى الحديث الشريف ما يزال حاضرا في ذهنه.

ـ احمدِ االه على عقوبتك القصيرة لبضعة أشهر. أنا سأبقى بعدك لمدة سنة ونصف. لكنني أحمد االه على قضائه وقدره. أينما ولّيت وجهي ثمة وجه الله ورحمته، ثمة هداية لي ولأحبابي في الله. وأنت يا فؤاد، أصبحت أخًا لي. لستَ من المجرمين ولا من رجال العصابات. أنت ولد الناس، مربي، ولد عائلة. نقي حتى في كلامك وألفاظك. لا تستحق هذا المكان، ولا حتى من تسبّبوا لك في ولوجه. سأوصي بك خيرا إن شاء الله تعالى.

ما تعلّمه فؤاد داخل زنزانته، هو ذلك الهدوء و الصمت الداخلي الذي يفرضه الزمن عليك بتوقيت ساعاته. تصبح المسافة مع الذات أكثر واقعية. ينظر حوله، مجموعة من الأفراد تناقضت ظروف إقحامهم في مغامرة السقوط و الاعتقال داخل السجن. تختبر الأعين بعضها البعض. تقاس درجات الحركة و الكلام. تأتي بعض النظرات لتمسح هيأة فؤاد و كمال بنيته رغم كونه قد أدمن لمدة المخدرات والسجائر والجلسات الخمرية...

يعود لسمته الذي يحافظ به على هويته الداخلية. يكلم نفسه: ما أعظم هذا الصمت الذي تشعر به وأنت وحدك.

يحاول أن يلجأ إليه حتى تبتعد عنه كل الأصوات المزعجة التي تصرخ في طبل سمعه الداخلي، والتي قد تؤرقه وتزيد من حدة ضغطه فلا ينام. استطاعت الأشباح أن تسكنه لمدة، لكنه استطاع أن يهجرها فلم تجد رجاء في البقاء داخل عالمه الحسي والذهني. لا يدري من تخلّص من الآخر، هو أو هي؟ الأساسي هو جلمدته الصلبة الجديدة التي أصبح يشعر بها. لا يجذبه شيء خارجي سوى صوت عبدالعاطي الذي لا يفصل كلمته عن ابتسامته. العوالم الفكرية والوعظية، وذلك الزخم من النصوص القرآنية و النبوية الذي يؤثث كل فعل وكل حركة، كل ذلك طمأن فؤاد أكثر في اختياره القيام بالصلوات الخمس يوميا. تدرّج بعدها في القيام بالنوافل. ناوله عبدالعاطي المصحف، أصبح رفيقا له في الصباح وفي المساء. في ليلته الولى التي قرر فيها القيام للصلاة، كان عبدالعاطي بجانبه يصلّي بسورة الضحى. استوقفته آية (ما ودّعك ربك وما قلى). ترجّى شفاعتها و إنقاذ خالقه له من هذه المحنة. قام وتوضّأ من نفس الدلو الصغير البلاستيكي الذي يستعمله عبدالعاطي. صلى ركعتين. جلس على ركبتيه مستغفرا و خاشها. لا يستبين من يفتح رمش عينيه في ظلمة الزنزانة سوى ظلّين في حركات جلوس و قيام. بعضهم أجّل استفسار من التحق عبدالعاطي إلى الصباح. و البعض استوى في جلسته محملقا في هذا الملتحق ب(بولحية) كما يسميه بعضهم. بعد وجبة الفطور، نواله عبدالعاطي كتيّبا يفسّر سورة العصر لسيد متولي شعراوي. وبدأت الرحلة الروحية بإكسيرها الذي يشفي أمراضها، صلاة وأدعية و قراءة قرآن و آياته المنجيّة.

بعد شهر ونصف، أصبح الجمع لا يميز بين فؤاد و عبدالعاطي في التصنيف والرؤية. العائلة هي الأخرى، اعتبرت الابتلاء منفرجا فتح ظلال الهدى و العبادة لابنها البكر. كانت مهمة عبدالعاطي خلال شهر فؤاد الأخير في السجن أن يعلّمه التسامح. كيف يتسامح مع أمه، وكيف يسامح أسماء.

ـ الله سبحانه وتعالى يبتلينا بالمقربين لنا. و عسى ان تكرهوا شيئا و هو خير لكم. ربما هذا الكتيب الصغير سيفي بالغرض. اقرأه و عاوِدْ قراءته. ستجد فيه بلسما إن شاء الله العلي القدير. و ما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين.

كان آخر ما أهداه السيد عبدالعاطي لفؤاد قبل خروجه من السجن، وقبل أن يجعل له صلة مع السيد عبدالجواد، بائع الذهب الذائع الصيت بقيسارية وادي الذهب بالمدينة القديمة.

Commenter cet article