Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
Le blog de mondevenir/imami hassanإمامي حسن

زهرة النرجس 10

16 Mai 2017, 06:50am

Publié par ( mondevenir ) de imami hassan

زهرة النرجس 10

 

يتعجب فؤاد من مواقف أمه خلال كل مراحل هذه المحنة. صمتت خلال بداية لقائه. سمعتْ ما جرى. راقبت بعينيها الجاحظتين كل من زاروه. تقبّلت مؤازرتهم بحزن أثلج خدّيْها. الكل يرتاب لهذه الأم الصامتة كجبل، والكل يعلم أنه بركان و قد ينفجر.

في البدء، زارتْ الفتاة نعمة في المستشفى. اطمأنّت على حالها. أرادت أن تخدمَها لكن الممرضات أبيْن إلا إعفاءها، خصوصا و أن رجل أمن على الأقل يداوم على حراستها. طلبت منها و من صديقتها زيارة أمها وإخبارها لكي تأتي، ترجّتْها صديقتُها بإيعاز من نعمة ألا تقوم بهذه الخطوة. لم ترد نعمة أن يعمّ الخبر بلدتها ولا أهلها. كانت الزهور كافية، و كان الحديث مع صديقة نعمة رسالة فتحت دروب الوجدان. استشعرت نعمة قلب الأم و علمت حرقتها. كان سماعها لقصة فؤاد وهو يكبُر، وهو يتعلّق بأمل وردة في حياته، وهو يتأنق للحياة، ابتسامة لم يلحظها الحاضرون بجانبها، كما لم تفتح لها عينيها وهي ترسمها. تخيّلته أخا لها، أو حبيبا ناجحا في كسب قلبها.

ـ يا ابنتي، فؤاد ربّيتُه على احترام كل امرأة و فتاة. اعتنى برياضته و كمال جسمه. لم يسعفه الحظ في الاستمرار في التعليم. لا نمتلك الإمكانيات لكي نعلّم أولادنا في مدارس خصوصية. أنا أم جالسة في المنزل، صنعتي لا تكفي سوى لشراء ثوب جديد أو هدية صغيرة لأحد أولادي أو لتسديد دين يحرجني كلما تذكرت تأخري عن أدائه. فؤاد، ضاع يوم فكّر في تلك الملعونة بنت الحي و الحومة. تعلّق بها قلبه لأناقتها، و أناقته من تلك الأناقة. باعدتْ طريقها عنه لكي تعانق آخر من نفس الحي. و تعلمين النار التي يتركها العشق المغدور. من يومها ضاع ابني. انقلبت حياته تدخينا وأشياء أخرى لم أدرك خطورتها إلا الآن. أنا لا ألوم نعمة، ولا أطلب مسامحتها. أريد الاطمئنان على سلامتها و معافاتها. هي مثل ابنتي مثل كل بنات الناس. لا واحدة منهن تريد هذا الجحيم.

تذرف فاتي الدموع  وهي تسمع لقلب الأم وهو يبوح. كل الأمهات مقدسات. هكذا حدس قلبها. نظرت جهة الممدودة على سرير العلاج، وبقدر شفقتها على صديقتها بقدر قوس الاحتمال في إمكانية المسامحة والتنازل عن كل متابعة. وكأنها بدأت في مرافعة القضية و الحلول المطروحة معها. لذلك، وحينما استيقظت نعمة من غيبوبتها، ذكّرتْها فاتي بشروط العيش داخل هذه المدينة، بتحكم لوبي المرافق التي ترتدنها. كيف ستتم محاصرتها و رفض ولوجها لها. كيف سيتم تحريض بعض المنحرفين للاعتداء عليها. و الأخطر، أن ظروف الحياة الكريمة ستتغير. ربما تصبح من عارضات الأجساد على ممرات الرصيف، و أي رصيف هو إذا كان لمنتصف الليل و للشواذ و المكبوتين؟

تسمع نعمة كل هذا وتعي واقعيته. تختبر احتقانها. تدرك حرقة الحب إذا امتلكت صاحبها شعلة. ربما إذا كانت بنتا عادية ما كانت لتعلل ما قام به فؤاد. تتذكر وهي تحادث فاتي يوم رشقت منافسة لها حلو زبون بفندق من خمسة نجوم. العنف منطق الحكاية و الجلسة و الخمر. يتأثّث كل سمر في حياتها على معادلة المتعة والنقمة. السيف واللقمة. وكيف للقلب أن يندمل من الجراح. لم يكن فؤاد إلا تلك القرحة التي فجّرت براثين هذا الجسد المعروض للبيع و الحارق لثوب الكرامة الحريري، غير المعترف بها في سوق النخاسة والدعارة.

حين انهمر نهر الدموع، صرخت: أنا قحبة. وهذا قدر القحاب في مجتمع القحاب. هذا قدري. سأعيشه وأقاوم. سأذهب لطنجة، ومنها إلى إسبانيا أو إيطاليا أو تركيا. تفو على عيشة.

وما كان لفؤاد إلا أن ينتظر قدر الحكاية و تطوراتها. ما كان يتوقّع أن تقف أمه في زاوية الحي صارخة في وجه أسماء:

ـ تقتلين الحي و تذهبين في جنازته. انت سبب ما وصل إليه. حرقت قلبه و مزقت كرامته. أنا امه وأعلم قلبه الملائكي. لم يكن يوما ليدخن أو يشرب. استلذذت بتعذيبه. سحقا لك من مريضة.

اندهشت أسماء و تفاجأت لما رمت به الأم شخصَها من سباب و اتهام. لم يجرؤ أحد على اتهام الأم أو تعنيفها أو الرد عليها، ولا حتى أسماء أو أهلها. الكل يعلم محنتها. و الكل يدرك أن جزءا من الحكاية الدرامية يشكل اسم أسماء دورا وسببا في وقوعها، إنما كيف ذلك؟ كل واحد نسج القصة بطريقته و إخراجه الذي يناسب جلسة روايته و حكيِه.

و فؤاد في كل هذا، داخل السجن في انتظار رحمة تخفف عن روحه هذه الوجمة الرعدية. يرفع عينيه إلى السماء حيث الرجاء في خالق هذا الكون و القادر إعجازا على كل شيء.

Commenter cet article