Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
Le blog de mondevenir/imami hassanإمامي حسن

أم الغيث 34

20 Janvier 2017, 05:59am

Publié par ( mondevenir ) de imami hassan

أم الغيث 34

ـ يا غيتة ! بما أنك ترين فيَ أسد الأطلس، فاعلمي أنني كذلك جئت من الثقافة إلى الطبيعة. إنني أبحث عن تخلّص من تشكيل تركَّب في دواخل شخصيتي. هل علِمتِ لماذا أنا رجل مطلّق الآن؟ هل علِمتِ لماذا لم أفكّر في الزواج منك أانت؟ أنا صوت الأطلس الذي ناداني كطفل في دواخل أعماقي. كلما كبُرت في ثقافة العالم ساءلني ببراءة: أين صوت أمومتي الأولى؟ كنت أؤجّل جوابه عن السؤال. حينما ابتعدت بنا السبل، أنا و جولييت، نعم، اسمها جولييت، زوجتي الفرنسية الأولى، اخترنا نحن الاثنان توافقا مناسبا لشخصيتنا الأسرية و مسؤوليتنا داخلها. وجدت جروحي الغابرة و قد تداوت بهذه العملية القيصرية الجديدة ثقافيا و اجتماعيا. كيف ذلك؟ لا أعلم كثير تفاصيل التبيان لوقع ما وقع.

نعم. رجعت إلى جبال الأطلس. و اعلمي أن امتدادي ليس بجغرافي. أنا أمازيغي مثلك. لكنني أنتمي لثقافة تاريخية ممتدة في خارطة العالم. أستطيع أن أكون ذلك الأمازيغي الأمريكي أو الليبي أو المغربي. نعم. أستطيع أن أكون ابن البحر الذي سيسكن قاربه و سيتعلق بعمود شراعه و سينظر جهة الريح التي تلفح صفحة وجهه. لماذا لم أنظر إلى الأفق؟ لا أفق لي غير الحياة بمعطياتها. لا جزيرة لي أنتظرها غير هذا الجسد الثقافي الذي يحملني و أحمله، و هذا الجسم المادي الذي يلبسني و يتحمّلني.

أنا يا غيتة، سمك السلمون الذي عاد لمنابع مياهه الصافية. عاد ليخلّد لروحه حوض جنتها الأولى. ربما سيتبرعم. لكنه يعلم مخاطر الذهاب والإياب بين النبع و المحيط الذي سيسبح فيه من جديد.

أما أنت يا غيتة، فلستُ مناسبا لك في الزواج. أنت فعلا مثقفة كما قلتِ. لكنك مشكّلَة بعقد ثقافة و تجارب تسقطينها على تفاعلات علاقاتك. أما عيشة، فهي الفطرة التي تضمد جراحها و تقوم من جديد بلا أثر. لا تهمها مشاكل العالم. مشاكلها طبيعية و فطرية. هكذا أريد أن أعيش ما تبقى لي من حياة. المشكل ليس فيك و لا فيَّ أنا. المشكل في اختلاف اختياراتنا و وضعياتنا. يمكننا أن نقول بلغة الغرب البسيطة:

ـ لم نتناسب !

 انتهى الكلام يا غيتة. انتهى الكلام.

تتدخل صفاء في مشهد الحوار. تأخذ صورة لمعان فضية داخل عتمة الليل و خيال غيتة و أرقها. ستخترق حواريتها بعد مرور بعض دقائق أزعج هدوءها الليلي و السديمي صوت دراجة نارية مرت بدويّها المقلق لراحة و سكون الليل و الناس نيام، إلا غيتة، فليست بنائمة.

تستسمح في الكلام. تحاول أن تكون لبقة. صوتها مجروح بأنين فقدان و بريق جسدها الفضي يتموّج داخل بياض. سمحت غيتة لنفسها بتخليل المشهد بتفسيره ببياض الحداد و عدة وفاة زوجها المرحوم عبدالنبي داكور:

ـ يجب أن تعذروا غيتة. فهي صديقتي و من واجبي أن أدافع عنها و أبرر سلوكها و رأيها. لكنني قبل ذلك سأقوم بانتقادها وجها لوجه. أرى انك سادية في موقفك. جراحك و قد أدرتِ ان يعيشها الجميع. اختياراتهم و قد وددت أن تمرّ عبر قرارك في السماح لها من عدمه. و كأن الناس عليهم ان يعيشوا في معاناتك لكي تشعري بالراحة و السكون. لا. أنت على خطإ يا غيتة. تجربتك ليسن هي تجربة الآخرين، و حياتهم ليست هي حياتك. جر.بي حياة أخرى يومية. عادات جديدة. تعلمين يوم جلسنا مع ذلك الشاعر بعد أن طلبتِ مشورته في كتاباتك الشعرية. تتذكرين كيف لاحظ على نصوصك و على طريقة قراءتك؟ و كيف رفضت طريقته و رأيه و اعتبرته متعجرفا و واهما. كان الشاعر على صواب. نصوصك كانت سطحية و لم تصِل إلى عمق الشعرية المطلوبة في قصيدة النثر. كتابة تقريرية تشبه مرافعة منسوجة بمقفى الكلام. هكذا قال لكِ. صوتك مذبوح كطائر جريح يحتضر فيتحول تغريده الأخير إلى سمفونية نداء للموت و النفس النهائي. و ما تزال تلك النبرة المتقطعة في أوتار صوتك دالة على ذلك.

أعجبني كثيرا ذلك التمرين الذي خضعنا له. حينما دعانا إلى تجربة كتابة نقيض مضمون بعض النصوص التي قرأتها علينا في جلسة مقهى les quatres oliviers. كيف تغلّب علينا في عكس مشاعرنا و فضح سجن كتابتنا لها. يومها ضحكت كثيرا و تصوّرتُك في مشهده الذي اختاره. يومها علِمتُ جنون الشعر و الشعراء. أو تعلمين؟ يومها أصبحتُ شاعرة أنا كذلك. ربما لم تُجربي ما دعانا له. لكنني جربتُه في عزلتي داخل غرفة النوم. و لكلٍّ عزلته طبعا.

أضحك لردة فعلك حينما قلتِ له: لا أستطيع. و لماذا لا تستطيعين؟

طلب منك الوقوف أمام المرآة، بعد استحمام ناعم. البقاء عارية الجسم أمامها. الرقص بالجسم و التموج مع موسيقى و معانقة الصورة بعشقها والرغبة فيها. تخيّلتُه هو من يراقصك حدّ المضاجعة وقوفا. رأيتث احمرار وجنتيْك. و أنا الخبيرة بأنفاسك. اشتهيتِ الصورة، لكنك سارعتِ إلى عنف الرد. كنتِ كاذبة حينها. لمذا ترفضين مثل هذا الطلب؟ لماذا لا تكونين أنت ساندريلا التي ستراقص فارس أحلامها ضدًّا على التحالفات المحبوكة؟

تحرّري يا غيتة. أنتِ مكبّلة بثقافة و عقد نفسية.

هذه صديقتي. عارية أمامكم. ميزتها أنها ليست بكاذبة و لا ماكرة و لا مخادعة. عيبُها أنها مازوشية تستلذ بتعذيب ذاتها. ربما اعترضت أو خالفت فقط اقتراح زواج عيشة بالسيد غودان لأنها رات نفسها جزءا من أختِها. بما أنها تشاركها تاريخ معاناة و آلام تجارب حياة. كل منهما تكمّل الآخر. وقد كانت سادية في اعتراضها. لكنها معذورة في ذلك. هذه طبيعة بشريتنا. لماذا لا ترى تحرر ذاتها إلا في ارتباط مع الآخرين؟ هذا ما ينقصها.

Commenter cet article