Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
Le blog de mondevenir/imami hassanإمامي حسن

أم الغيث 29

12 Janvier 2017, 06:01am

Publié par ( mondevenir ) de imami hassan

أم الغيث 29
أم الغيث 29أم الغيث 29

 

جلس عثمان متابعا لأخبار الرياضة بعد نشرة الظهيرة على القناة الثانية. بدأ المطبخ يبعث بشهي رائحة الطعام. بعض أشعة شمس تخترق بدفئها نافذة الغرفة  المطلة على حديقة صغيرة داخل هذا المنزل المشكّل من دور تحتي و طابق واحد. تمتلك الجهة الخلفية له فتحة غربية تناسب تجاه الشمس و تكون الجلسة مناسبة في هذا لوقت من النهار. يسمع صوت أمه آت مع خطواتها. لا يدري أهو كلام موجّه له أمْ لخالته أمْ لهما هما الإثنان:

ـ علينا أن نتناول الطعام بسرعة لكي نخرج في جولة خفيفة داخل المدينة. تعلمان ان توقيت النهار قصير جدا و الليل جامد ببرودته.

ـ إيموزار على ميطيو الهاتف 16 درجة، و الليل درجتان. لكن الأسبوع المقبِل سيكون أكثر برودة: ناقص أربعة ابتداء من ليلة السبت حتى ما تبقى من الأسبوع. يبدو أنه سنفترش الحطب لكي ننام ليلا.

تضحك غيتة لتعليق عثمان و خوفه من الآتي طقسا و درجة حرارة. على الأقل تلمس انشغالا جديدا و انتعاشا روحيا في حواره و كلامه. لم يعد ذلك الشروذ الذهني الذي يمتلكه لبعض الوقت كما في ما مضى من الأيام الخمسة التي قضينها هنا بإموزار كندر.

بعد لقاء اليوم الثاني بالسيد موحا غودان، كان لعثمان لقاء آخر معه بالأمس مطوّلا و فريدا. علّمه خلاله السيد غودان مجموعة من الكلمات الأمازيغية التي كان يجهلها. على العموم فعثمان لا يعرف إلا القليل مما يحتاجه في التواصل مع خالته، و حتى أمه فإنه لا يتخاطب معها سوى باللغة العربية الدارجة و بعض الجمل  و الكلمات بالفرنسية.

خلال هذا اليوم سيكون لقاء جديد بينهما، لكن هذه المرة ستحضر رفقة غيتة و عيشة. ستأخذهم الجولة باتجاه الطريق الوطنية رقم 8 حتى مطعم و مقهى الأطلس. مسافة مناسبة للمشي استأنس فيها الأربعة بحوار مفتوح و طليق و شيّق. فقط أنه غاب عن الجماعة الهر غودان، لكنه كان حاضرا في بعض تواصل بينهم.

و كان الحديث ذا  شجون. فتح كلّ ملّفه الشخصي بعفوية. استفسر الآخر بلطافة و لباقة و كان السيد غودان أكثر تموقعا في قفص تعريف بشخصه و انشغالاته الحياتية. ستة و خمسون سنة. أب لطفلين و مطلق مع سيدة سويسرية. هاجر مبكّرا إلى أوربا بعد ان حصل على شهادة الباكلوريا في بداية الثمانينيات. كان شابا و طموحا و نبيها في مادة الرياضيات. حصل على إجازته بمدينة ليل الفرنسية و بعدها انتقل للدراسات العليا بمدينة لوزان السوسرية. تزوج مبكرا هناك سنة 1990، لكن ظروفا لم يشرحها كثيرا جعلته يفترق مع زوجته. حافظا على علاقة محترمة لهما و للولدين اللذان أصبحا الآن كبيرين و راشدين و قد تجاوزا سن العشرين. سمير في 24 سنة من عمره و عمر في 21 سنة.

اختار السيد غودان مسارا جديدا في حياته بعد ان تقاعد مبكرا من عمله هناك. بدأ ذلك بلقاءات ثقافية جمعته داخل جمعية ثقافية وجد في أنشطتها ما يلبي احتياجاته الوجدانية كما عبّر هو عن ذلك. أزمة هويّة و افتقار وجداني لما يسقي الروح. كلما جاء إلى المغرب شعر بعطش كبير لكي يتكلم بلغته الأمازيغية. بدأ في تعلم تيفيناغ و وجد بين خبرته في الرياضيات و الدراسات اللسانية الحديثة ذلك المشترك في تقعيد اللغة وفق مشروع دراسة تشرف عليها الجمعية بشراكة مع المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية ( الإيركام ) كما يحب أن يناديَه. كانت السيدة غيتة تتابعه بشغف. و بين حين و آخر كان السيد غودان يتعرف على هذه العائلة و سيرورة حياتها.

فتحت السيدة غيتة في غفلة عن الاثنين اللذين تأخرا في الخطو تأملا أو تعرفا على مرافق جديدة في الطريق قلبها و فجّرت بعض آلامها الشخصية. لمست في السيد غودان براءة استقبال لحكيِها و صدرا يخفّف ثقل همومها:

ـ في الحقيقة، أرى أنه لا يمكن لسيدة أمازيغية شلحة أن تتزوج من غير رجل من ثقافتها و لغتها. صديقات لي جرّبن الزواج بغير أمازيغي شلح، و كان مصير زواجهن الفشل مثلي كذلك. تصوّر أن حتى التنفس إذا تصاعد بأكثر من اللازم تتم محاسبتي عليه. كنت أشعر بتضييق الخناق يوميا و كل حين. صديقة لي، كان يقع معها العكس. تزوجت برجل من الشمال الشرقي، لا يهتم بها و يسألها و يتهوّل لأي شيء. لتفعل ما تريد. لا يهمّه الأمر. غائبة عن اهتماماته و انشغالاته كأنها شيء يؤثث حياته فقط.

يتابع السيد غودان حكيَها و يلمس جراحه المنغرسة في صوتها الذي يكاد يغيب برقة بكائية حزينة. يتسلّح بالصمت المنتبه و المتعاطف معها و هي تتكلم من جديد:

ـ تعلم سيد غودان. ذلك المثلث الموجود كرمز في زربيتنا لأمازيغية. يمثل التلاشي و البعد يكبُر و يكبُر في الرسم. أرى نفسيتي مثل أولئك الرحل من قبيلتي الذين يعيشون في انتماء هويّة للغابة و الماء. حينما تذهب لضاية إفراح لا تلاحظ تواجدهم بينما هم هناك يقاومون الظروف القاسية و التهميش. تصوّر أن منهم من لم يرَ الملك يوما. لا يعرفون شكله. يعني انه لا تلفاز و لا تواصل مع العالم الخارجي. ربما اليوم تغيّر الوضع. لكن ما أعرفه منذ اكثر من عقدين هو هذا. أووووه... ماذا أقول لك؟ حياتي و ظروفي و عاناتي مثل ذلك المثلث. أشعر بالتلاشي و البعد عن الذات بدرجات متزايدة. لم يعد لي أمل في الحياة و لا رغبة سوى من أجل عثمان ابني.

يحوّر السد غودان بذكائه الحوار لكي يكون موضوعيا ينشي هذا التفجّر:

ـ إرقزان، تعني دلالة الرسوم. كلن يعلم ان الثقافة الأمازيغية تتحدث كثيرا عن ثقافة الفقدان و الحزن. حين الموت تتحول المرأة إلى شاعرة بامتياز، صارخة و معبّرة عن المعاناة، عن النهاية. و كما تعلمين، فالوشم ارتبط كلغة بحياة الترحال كذلك. إرْحّال. الوشم الذي أريتني إياه، فعلا فيه عقدة و انفتاح. انغلاق و انشراح. ضيق و شدة. حياة الترحال مرتبطة بالماء. (رزم) حين يجدون الماء. يكون الانفراج. (قن) حين غيابه. الجفاف. يكون معه انغلاق. و لعل أكبر شعب يقدس الماء بشكل كبير هو الشعب الأمازيغي.

ـ صحيح. ألمس الاحتفالات الكبيرة التي تكون حين قدوم فصل الربيع أو حين الاستقرار بمنبع ماء صافٍ و جارٍ. في الحقيقة أرى أن الثقافة الأمازيغية اليوم أصبحت مجرد أكسيسوار في الحقل الإعلامي و السياسي.

ـ أنا أرى العكس. يعلّق معترضا السيد غودان. فيما مضى ، كان توظيفها بشكل فولكلوري و كأكسيسوار كما عبّرتِ عن ذلك. اليوم هناك وعي حقوقي. هناك مشروع لإعادة الاعتبار و إرجاع كرامة. لا يمكن ان نحقق كل شيء مرة واحدة. تهميش قرون يحتاج إلى عقود من أجل إعادة الاعتبار و القيمة لشيء مرتبط بحياة ثقافة و جراينها جريان النهر في الوادي. إنما قولي لي: أمَا تزال العائلة هناك بضاية إفراح؟

ـ بعض أبناء عمومة و أبناء أخوة. قد يحضرون خلال السوق الأسبوعي هنا بإيموزار. قد نلتقي بهم في إفران. و إذا زُرْنا ضاية إفراح خلال الربيع و الصيف نلتقي بهم.

ـ إن شاء الله سأقوم بزيارة مناطقهم.

ـ في هذا الجو و الثلوج؟

ـ أكيد. أريد أن أتابع الاستعمال اللغوي المستعمل في فصل الشتاء على الخصوص. النطق و التوظيف و الحاضر منه.

ـ مهمة صعبة عندكم في هذا البحث اللساني و اللغوي.

ـ هناك عشق مثل العبادة. أمارسه بشغف كبير. و تحقيقه سعادة خاصة طبعا. إنما ماذا عن عثمان؟ ألا يتعلّم اللغة الأمازيغية؟

ـ في الحقيقة لم تسمح له الظروف بتعلمها. لنسأله عن رغبته في ذلك.

Commenter cet article