Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
Le blog de mondevenir/imami hassanإمامي حسن

أم الغيث 27

7 Janvier 2017, 06:04am

Publié par ( mondevenir ) de imami hassan

أم الغيث 27أم الغيث 27

 

 

 

بدت على عثمان ملامح استرجاع نضارة جديدة. رغم أن خدّيه ما زالا يحملان آثار انتفاخ غير عادي. جفونه تغطيهما طبقة منثنية صغيرة. الشفة السفلى لم تعد مسترخية بالشكل الذي كانت عليه قبل خمسة أيام و زيادة. لكن القدرة على الحركة بالمعتاد و الحيوي كما الشباب و كما عثمان المألوف، يسمها بعض التثاقل. و كما قال الطبيب المعالج في عيادته:

ـ يحتاج إلى أيام مركزة من أجل التعافي. أبعدوه عن الضجيج و أشعة الآلات السمعية البصرية و انعكاس الأنوار القوي... لا تجعلوه يتناول الكثير من المنبهات سواء من الليمواندة أو الشاي أو البن... لن يكون له هذا الدواء الموصوف سوى بالليل حتى تسترخي الشرايين و يهدأ الجهاز العصبي من صعقاته الكهربائية المباغثة. و أظن أن راحة مرحلية ستكون ضرورية.

ـ ما رأيكم أن نتمشى حتى زاوية الشارع ثم نعود لوسط المدينة لاقتناء ما نحتاجه؟

استحسن الجميع الرأي. اتخذوا خطواتهم على مدار فندق الملكي، ثم عرجوا شمالا في مقابلة فتحة الأشجار و الغاب، حتى إذا قابلتهم خضرة لامعة تعترش تربة بيضاء و تحتفل باستقبال أشعة شمس بدأت تذوب بخارا يتعطش له سحاب السماء، كان للعيون سحر الالتقاط لجمالية مشهد بديع. ارتسمت الابتسامات و الأهم ذلك الفرح الذي يلبسم الشعور و يغسله من تقاسيم غضب أو قلق. ربما كل الخلائق تعيشه رومانسية، خصوصا إذا ما رافقته هذه الأشعة المدفئة لمسام الجسد.

أطال عثمان التحاف عينيه باللوحة الطبيعية. سبقهما خطوات قليلة ليختلِي في حضرتهما بهذا الانجذاب. كانت تلك تباشير خير و فأل استحسان و أمل تشافٍ سريع لوضعيته الصحية.

ـ ماذا تقترحان؟ نرجع من جهة أوطيل روايال أو نستمر حتى نخرج جهة السوق من جهة أوطيل شهرزاد؟

ـ يا عيشة، الطرق كلها تؤدي إلى السوق المركزي. تجيبها غيتة مبتسمة وزارعة بذور المرح في الحوار.

ـ الطريق التي أدّت بنا ما تجيء بنا.

يعلّق عثمان في أولى خرجاته الكلامية الرائعة في هذا الصباح.

ـ أنا مع رأي عثمان. تسارع  عيشة للموافقة.

ـ و أنا معكما أنتما الاثنين. تبشر كلمات غيتة برغبة في حضنهما لكنها تكتفي بمسك أيديهما، عثمان من جهة اليمين و عيشة من جهة اليسار. يتخذون عرض الزنقة الخالية من المرور في خطواتهم المتراقصة بإيقاع غير معزوف سوى جهة القلب لكل واحد منهما. أكيد أن نبضات قلوبهم كانت خير أوركيسترا مرافقة.

ـ لقد انصرف غودان باكرا هذا الصباح. أين تُراه الآن؟ يسأل عثمان خالته عيشة.

ـ ربما ذهب لتفقد أحوال مملكته بالجوار. شخصيته معروفة و محبوبة من طرف الجميع.

تستمر البسمات و تذوب داخلها شجون غيتة و تطمر في دواخلها ما لا تريد أن تنساه كمرافعة لما فقدته في هذا الوجود و هذه الحياة. نظراتها للاثنين تخفيان ذلك. لكنها تسترق مرآة الداخل ما استطاعته خلسة وقدَرا يلبسه و هي مكرهة عليه.

يمر الثلاثة فوق رصيف فندق شهرزاد. تفادوا جهة محطة البنزين التي بدأت حركتها بملء خزان السيارات المتعطشة لمشط طرق الإسفلت المنفلتة من جريحة أو صقيع الصباح الجليدي. تكون الآلات في انتظار البشر من أجل الاشتغال اليومي طبعا. يلاحظ عثمان افتراش الهر غودان لكرسي أمامي على الرصيف بمقهى الفندق. يناديه:

ـ غودان، غودان !

 يرفع رأسه ناظرا لجهة الصوت دون أن يغيّر وضعية تمدده فوق الكرسي البلاستيكي. استحمامه بأشعة الشمس الصباحية طقس مقدس عنده. يحيّيه الرجل الجالس بالكرسي المجاور للهر مبديا ابتسامة مستغربة و مرحّبة بهذا النداء. تبتسم عيشة في اندهاش فيما تبادل السيد الجالس ابتسامة يرد بها التحية. بينما بقيت غيتة خارج التغطية لا تفهم ما يقع. احتمال أن يكون من سكان المدينة و معارفها، نعم. لكن نداء عثمان جعل اختلاط الفهم عليها حاصلا و مورّطا. هل ترد التحية أم لا؟

سارع الثلاثة في إيقاع جماعي  إلى عبور الشارع أمام الجالسين بالمقهى: غودان الهر و غودان الإنسان. شرحت عيشة لأختها ما وقع. بدت ضحكاتهما المتبادلة منعشة للحظة استقبال السوق المركزي لحضورهما فيه و بداية تسوّقهما لما يحتاجه الثلاثة. فيما بقيت عينا غودان متابعتان لخطو المجموعة و يده تمسد على وبر الهر الذي تدلل و استرخى بأطرافه الأربعة فوق الكرسي. و كانت الشمس المتوهجة شاهدة على هذا الاستحمام و الانسجام.

Commenter cet article