Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
Le blog de mondevenir/imami hassanإمامي حسن

أم الغيث 25

4 Janvier 2017, 14:50pm

Publié par ( mondevenir ) de imami hassan

أم الغيث 25

 

 

كان أسبوعا مريرا و قد عانت فيه غيتة من كل لون مذاقا جديدا. مذاق المرض و الخوف من فقدان فلذة كبدها شجرة تجثتها ريح حمقاء، ترقص للتيه و العبث و الفراغ. مذاق الموت الذي خطف السيد عبدالنبي داكور و الذي رسم صورة السياسة  و فضحها. كيف للإنسان و قد خدم وظيفته و شعبه بتفانٍ و دفاع عن حقوق و كرامة سينال مكافأة مقابلة و نقيضة؟ كيف لصديقة وهبها لها القدر لكي تكون أختها الثقافية والمساندة في المحن و قد شردها الكون من ظل شجرة مورفة كانت تحميها من لهيب هذا الكون الحارق. و الآخر الذي بدأت تجده غصة ريق في حلقها كل صباح. بدأت تشعر اختناق القصبة الهوائية. أمعاء تلفظ وحنجرة تختمر برائحة غريبة. يختلط الحلم الكابوس مع هذه الإفرازات وهذه الأعراض. تأتيها صورة السيدة سعاد. تلك الكفيفة التي تجلس مدعمة أعمدة شارع أصبح تراثا إنسانيا يجب الحفاظ عليه كعمران و هندسة. امرأة ترافعها كل ليلة. تقارن حالها مع حالها. تفرض عليها أرقا طويلا قبل أن ترخّص لها في غفوة ما.

ـ ها هو حالي. لا أرى ببصري، لكن عقلي يرى الحقيقة التي لا يراها من وهبهم الله حاسة البصر. أرى كل شيء عاريا و منطقا فاضحا. أعمدة الشارع سجّلت معي توقيع الخطوات عند البشر. بطاقة تعريفهم أحذيتهم الطارقة فوق الأرض. ممرات الشارع توقيع على عدد الضحايا و انواعهم. هؤلاء الذين يترجمون الأزمة الحقيقية للبلاد. يؤكدون عقم السياسة و السياسيين. الحلول عندي كثيرة، رغم أنني لم أجد حلا واحدا لنفسي و لأسرتي التي أنشاتها داخل كانون جمر أحقق به معجزة الحياة داخل نار أجعلها بردا و سلاما حينما أريد أن أسترييح من احتراقي بجيحم هذا الواقع.

ما أنت يا غيتة. طفلة و قد رأت النور. أستاذة و قد وقفت مدرّسة. أم و قد رزقت بابن. امرأة تمتلكين كل نعم ضرورية و تشتكين؟ ما قيمة ما تفتقدينه؟ زوج غير مؤهل. معقّد و قد استرحت منه. فقر و قد انفلتت منه. بدن و قد حافظت على سلامته. حواس و قد رُزقت بها. احمدي الله و انظري لحالي و لا تستغربي منه، فقد امتلكت أسحلة مواجهته. اعلم أن حضوري و صورتي أمام رجال البرلمان و الحكومة و هم يمرون مفتخرين في هذا الشارع أو يلجون القبة المخصصة لهم فيه تعني الكثير لي، تجعلهم لا ينفلتون من وخز ضمير سيوقظهم للمحاكمة في الليالي الطويلة.

لا تقلقي إذا ناديتك في عز الليل. أريدك أن تكوني امرأة قوية و صلبة. شجرة الغابة المعمرة و السامقة، القوية و الواقفة. لا تهزك رياح و لا تقتلعك عواصف. البرق سلاحك لكي تحرقي به كل الأوراق المهشمة بلون الخريف أوقدي نارك الخاصة لرقصة التحدي. الموت للضعفاء...

شعورك بالذنب سبب محنتك. لماذا تنادين عليّ في مرارة أرقك؟ لماذا تجعلينني مرآة لمعاناتك؟ تريدين أن تعكسي آلام العالم في جسدك؟ لا أفضّل أن أكون شريكتك في كل هذا. سأتركك في أرقك و لتتحملي مسؤولية اختيارك و ضعفك. لو تعلمين انني في عز الضربات التي اتلقها إما شتما و عصا نازلة على هذا الجسد الهزيل القوى، كنت أغني أم كلثوم و أضمد بها جراح الآي التي تصدر عني و أنا مرغمة. ليست مازوشيا مرَضية. لا. هذه ملحمة درامية و قد حوّلتُها إلى احتفالية لي. أغنية و رقصة و صراخا. لم تجربي أنت رقصة الألم. أن تكون بإيقاع الضربات و الطعنات و الشتائم و صوت الصفارات و المحركات و وقع الحذافر و الأحذية المطاطية و الأوامر الرمادية... هل أزيدك في وصف ملحمتي ام كفاك هذا. ؟ أصبحت مستعدة لها كلما اكملت شروطها أدائها. تعلمين حينما تستعد قطعان المجوس لعبور النهر او الاستسقاء منه. كيف تتجيّش و كيف تندفع و كيفف تقدم على الخطوة الولى ثم الثانية. الضحية الأولى ثم الثانية و هكذا توالي مسلسل متسلسل... تلك أنفاسي تجيّشني للمواجهة و لرقصة الألم و تدعوني للاستعداد. ذلك توقيعي على الصمود و القدرة على الاستمرار فيه. أصبح تحدي الحياة و رهانها هو هذا الصمود و عدم الاستسلام. لم يعُدْ همّي هو وظيفة. حتى المجتمع أُحمّله مسؤولية اللاإنسانية. و تصوّري ما أسمع و رغم ذلك حينما أريد الخلود إلى النوم أغني أم كلثوم:

ـ أما زالت هذه العورة هنا؟

ـ حتى العمي يريدون العمل. ما بالنا نحن الذين لم نجده.

ـ البلاء المسلط يا لطيف. ما بقي سوى العمي لكي يصبحوا ذوي شأن و عمل.

أزيدك أو كفاك ما تسمعينه الآن؟ لمن سأنتمي أنا سعاد الجهني؟ لا يشرّفني أي انتماء لو كان في علمك. أنتمي إلى مرجعيات و قوانين و رزمة مجموعات حقيقية. أنتمي إلى نبضات قلوب تشعر بالرأفة و الرحمة. أنتمي إلى اجنحة مكسرة تحاول ان تحلّق بيع الينا و بعيدا عن السقوط الذي ينتظره ذئب جائع و فاتح لفاه و مهيّؤ للافتراس و الهضم بلعابه السائل و عويله و زئيره...

أنتمي لهذا السقوط الذي يصوّري في مشهده الدرامي و رغم ذلك أحتفل و أغني أم كلثوم. الصوت الوحيد الذي أعتبره يستحق أن يستمر في الغناء لمدة أطول لأنني أنا الوحيدة التي أستطيع الاستمرار في رقصة الألم و زغرودة الوجع و أستمر في الحياة. سأزورك كل ليلة إذا شئت. ولكنني أنصحك بإبعادي عنك ما استطعت، فلن تقدري على إيقاع موسيقايَ فتيلا. أُسلّمك للقدر الذي ترسمينه بقوتك و ضعفك. مع السلامة.

إلى مَن ستنتمي السيد غيتة؟ لليل أم للنهار؟ أي ضيوف هم أفضل؟ ابنها الذي هددته الأخطار أم هذه السيدة سعاد التي حلّت كشبح في ليلها البهيم و فسحقت جفونها بزئبق لئيم. حتى من صديقتها صفاء فإنها لا تعلم ما يقع و لا بقصة هؤلاء الضيوف. تراها جالسة صامتة و حزينة. قد تتكلم بعينيها. قد تجيب بحركات صغيرة بأطراقها و رأسها. يكفيا أنها هنا. شجرة تسند الغابة و ترد عليها شوم الحريق الذي يشم جلدها و جسدها و أحشاءها.

كان الفرار لمدينة إموزار كندر. ربما البرد القارس هناك و ثلوج القمم ستهبها صلابة و قدرة على المقاومة. ربما بتعالجها و تخفف عنها كل هذه المعاناة.

Commenter cet article