Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
Le blog de mondevenir/imami hassanإمامي حسن

أم الغيث 24

2 Janvier 2017, 09:26am

Publié par ( mondevenir ) de imami hassan

أم الغيث 24أم الغيث 24

 

التقرير الطبي الذي تلقته من المعالج لم يشفِ غليلها. كان مفعول الحبة الحمراء فعلا خطيرا على ذهنه. كيف وقع ذلك؟ التحليل المختبري لعينة دم عثمان وجد فيه الطبيب آثارا مستمرة لضغط دموي مرتفع. نبضات قلب منذرة بخطر يهدد الجسد و ملامح عينين تثير مخاوف من إتلاف خلايا الدماغ.

يعلم الدكتور يوسف المرزوقي خطورة تناول بعض انواع المخدرات. كان عليه أن يتأكد من نوعية ما تناوله عثمان. تمكّن من التوصل برواية شفوية من السيدة غيتة أخذتها من أسامة صديق عثمان. حاول ربط العوامل المؤدية إلى حالة الهذيان التي دخل فيها، و تلك الهلوسة و عدم التركيز في النظر... الدكتور يوسف يؤمن بخطورة البدء بعقاقير مضادة طبعا. ربما يصبح المريض ضعيفا في مواجهة المضاعفات التي تؤثر بها مثل هذه الأنواع من المخدرات. فإذا كان مخدر الكيف و الحشيش يسهل زوال تأثيره فإن هذه تسري بين الخلايا و لا ندري نهاياتها.

أسامة بخلاف عثمان، يمتلك بنية جسدية أكبر قوة و صلابة. تدرج مع انواع تدخين و استعمال. منذ سنوات و هو في هذه الحال. يكبر عثمان بثلاث سنوات، و بالتبع يكبره تجربة ومغامرات. دراسته معه و مع عمر و غيرهما بمؤسستهم الخصوصية كانت بداية اختراق لمجموعة من الأفراد و استدراجهم لعالم المغامرات التي ألفها أسامة و غيره بين دروب و شوارع المدينة الجديدة حمرية. إذا سألته عن احداث و غرائب المدينة وجدتَ عنده ألف حكاية و حكاية. عالم خاص بالشباب و لغة خاصة بهم و طقوس و قاموس لا يعرف شيفراته سوى من انخرط منهم في تجاربه.

ما يتقاطعه عثمان مع أسامة هو حب الموسيقى. لكنه حب أقحمه و ورّطه في تجربة لم يرِدْها ربما. هكذا يعلّل عمر ما وقع لصديقه عثمان. ربما دسَّ له أسامة حبة أو اثنتين في قارورة ليمونادة. ألِف استعمالها داخل سائل البيبسي و ألف الدخول به إلى فضاء المؤسسة و الانتشاء ببطء داخله. الكل يعلم هذا.

ان يكون عثمان قد وصل إلى هذا الحد من الإتلاف الذهني لجهازه العصبي فإن ذلك قد فسّره الطبيب من خلال ما سمع بكونه قد تلقى في جهازه العصبي صدمة و صعقة قوية مثل مفعول صعقة كهربائية عالية. حالة الاستنفار كبيرة في دقات قلبه وضغطه و فشل حركاته و عدم صلابتها. الانهيار سريع الوقوع والاحتمال  المفاجىء. لذلك علينا أن نبقى هادئين و مراقبين. سنعتمد على تغذية و سوائل كثيرة. سنبعده عن الأدخنة و عن الضجيج. فقد تلقة شحنة من الضجيج تكفي لتدمير الدماغ كل حين.

استشار الطبيب يوسف المرزوقي في الهاتف بعض زملائه. كانت السيدة غيتة جالسة و جامدة، لا يعلم أحد غرقها الجديد. لا يعلم أحد ما تؤجّله لانهيارها الخاص و لرعبها و للفوبيا التي تسكنها. كأنها دولة تقاطرت عليها تحالفت الدول في حرب لن تنتهي إلا بتمديرها و استهدافها رمادا لدخان البارود المشتعل والمتراقص بجسدها و كيانها.

ـ نعم هناك حديث عن استعمال الموسيقى و كاسك كبير ستيريو و رقص معها.

ساد حواره صمت مطوَّل. لم تعرف السيدة غيتة ما يتلقاه ككلام عبر سماعة الهاتف. لم تعرف بعد جملته هاته أي تعليق هو موجود او تحليل أو تقرير. بقي الدكتور يوسف في بذلته البيضاء و رأسه الأشيب و نظارتيه المنحنيتين مع بصره فوق (بلوك نوت) يسجل فيه بقلمه بعض الملاحظات أو يخط خطوطا لا معنى لها سوى تركيز ربما على ما يسمع.

ـ طيب شكرا لك دكتوري العزيز.

وضع السماعة و عاد لرسم ابتسامة باردة لكنها مطمئنة و هو ينظر إلى السيدة الجالسة أمامه. و كأنه يراها لأول مرة. لكن ما رآه أول مرة نطقه تعجبا:

ـ عجيب أمر هؤلاء الشباب. يعيشون في مرحلة خطرة فعلا. الأعراض الموجودة عند عثمان مختلطة. و أكيد أن استعمال الأنترنيت بشكل كبير يوميا قد أثر على حواسه و تركيز دماغه. روايتك و رواية أصدقائه تشيران إلى مخدرات إلكترونية حاضرة كذلك. على العموم لابد من مرحلة نقاهة تامة. أنصحك بمكان خالٍ من المؤثرات المسبّبة لحالة عثمان قبل أن يرجع إلى الدراسة. سأعطيه أسبوعين كشهادة طبية يتابع فيها العلاج و يستريح.

ـ أحتاج أنا كذلك إلى شهادة طبية.

ـ ما هي الدواعي أستاذة غيتة؟

ـ أشعر بإرهاق شخصي منذ مدة و أنا المسؤولة على عثمان بمفردي في غياب أب يشرف على تربيته. كما أن حالة وفاة لزوج صديقتي أثرت على نفسيتي كثيرا. المصائب مجتمعة.

تنهار في موجة بكاء سُمِع هديره و تصاعدت شهقاتها. ناولها الطبيب مناديل ورقية و دعاها لتهدئة أعصابها لأن كل هذا ليس في مصلحتها و لا مصلحة ابنها عثمان. بالعكس يحتاج منها عثمان لكي تكون قوية و ثابتة و هادئة بجانبه. كتب لها دواء مهدئا ومنعشا و مقويا بفيتامينات. مسكن يساعدها على النوم مساء هي و ابنها عثمان. كل بوصفته الطبية، كلٌّ بفاتورته في الصيدلية. ارتأت أن تقضي الأسبوعين في مدينة إيموزار كندر.

لكن المفاجأة هي مجيء السيد عبدالسلام الهدفي لكي يزيد من هول ما وقع بتصرفات جديدة و غريبة. ربما ألفتها السيدة غيتة، لكن توقيتها لم يكن مناسبا. ربما وقوفه المستفز و الصارخ أمام باب العمارة و الجيران يطلن أو المارة بلتفتون و يقفون لمتابعة فضولية و استراق قصة للغيبة و النميمة المنتشرة، ربما كل هذا استشعرها الخطر الذي سيهدم كل ما تحتاجه في مرحلة النقاهة لها و لابنها.

لم يكن يتوقع أن ترفع امرأة سكينا في وجه رجل. لم يكن يتوقع أن تخرج الشرارة بصوت حادّ و جدية عازمة على المضي فيما تنذر به هذا الواقف لمحاكمتها و الاستخفاف بها و بكرامتها و تهديدها بأخذ الابن منها. إلا الابن. إلا هذه اللحظة. ستمضي في ما تقوله و تنفذه.

لم يجد السيد عبدالسلام من رد سوى الابتعاد بخطوات دون التخلي عن ألفاظه و سبابه مع شعور بخوف تعرق جبينه معه. انسحب من أما بصرها و باب العمارة. اتخذ مقعده في سيارته التي لم تكون سوى تلك التي اشترتها السيد غيتة من مالها الخاص بعد اقترضت دينا و سلّمتْه له لاقتنائها. شغّل المحرك و ضغط على سرعة مجنونة انطلقت بها العجلات تاركة وراءها دخانا أبيض يزيد نفسيتها اشتعالا و احتراقا. كانت تتمنى أن تطعن ذلك السكين بين يديها في جسده طعنات تمزق كل الجروح التي تعانيها في هذا الوحش الغريب. منه الدماء و منها الصراخ. أيهما في ألم؟

Commenter cet article