Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
Le blog de mondevenir/imami hassanإمامي حسن

أم الغيث 22

31 Décembre 2016, 07:21am

Publié par ( mondevenir ) de imami hassan

أم الغيث 22

ما الذي أقلق السيدة غيتة؟ كانت السيدة صفاء موزعة الذهن و مشوشة بين ما وقع لزوجها و ما تركت عليه صديقتها غيتة. استغربت لتماسك أعصابها و حفاظها على صلابة جأش أمام صدمة الجبيرة التي وضعها على جانب كتفه الأيمن. اليد المعلقة بحزام طبي و كأن ما و قع استغرقه زمن طويل احتصره يوم الأحد القصير نهاره في شهر دجنبر هذا. أيام و تنقضي سنة. أيام و يبدأ العد لمر آخر متبقي و متساقط الأوراق كشجرة في خريفها. كسر زوجها و كأنه جذع شجرة جرفته آليات اجتثات طاحنة. صديقة تحترق واقفة و مستشعرة. ما هذا الزمن الذي يكوي بنيران الوجع أصحابه. بقدر عناصر السعادة المنتشرة بقدر شقاوة الحصاد التي يجنيها الوعي في نهاية المطاف.

ينام السيد عبدالنبي كطفل صغير أرهقه يوم شاق و أرعبه زحف الهراوة التي رآها في منامه من جديد. تلك الشجاعة التي امتلكها و ذلك الصوت الذي كان يصد به نزولها على جسده و قد تحولا إلى إجهاش صامت لصبي صغير أفزعه المشهد في غياب حضن أمٍّ سيحميه. تظهر على المشهد فجأة أجنحة ابتسامات صفاء مرفرفة بعطرها المعتاد. تبرق عينيها بنور ضيّاء ينقشع معه مشاهد الهراوة و أنياب ذئاب جائعة، مشتهية للدماء، عويلُها و قد تزايد مُغرقا عبدالنبي في جوف الالتهام، قبل أن تبزغ شمس صفاء بألوان النهار داخل هذا الحلْم المضطرب و المتناقض. تحوّل التعرق المقرون بصور الرعب إلى برودة كاملة. لامستْ حينها، بعد استشعار ارتعاش و همهمة صوتية دالة على كابوس و قد تحوّل إلى رعد همهام قبل أن يخبوَ كجمر منطفىء في صقيع بارد، جسد زوجها بجانبها فوق السرير. لاحظت البرودة. استنفرت ما امتلكت من عقل و قوة. قاست النبض، لم تجد له دبيبا. جسّته علّه مخفي في مسارب ما،  لم تجد له أثرا. حرّكت الجدس الممتد، صرختْ: عبدالنبي، عبدالنبي... !؟ ربّاه ! لا ترني بأسا في هذا اليوم.

هاتفت بسرعة أقرباءها، ذويه و أهله. سارع الطبيب الصديق إلى المجيء. كان التوقيت فجرا حينما غادرت سيارة الإسعاف باب الإقامة. و كانت الشقة ملآى بمن استطاعوا المجيء في هذه اللحظات المرعبة و المؤسفة.

توفي السيد عبدالنبي داكور. و التقرير الطبي يشير إلى سكتة قلبية. أم التحليل المنطقي الذي استحضره الطبيب و صديق العائلة و رفيق العمل النقابي مع المرحوم السيد عبدالنبي داكور، فيؤكد أن السكتة القلبية سببها الكسر الذي وقع لذراع المرحوم. فعملية الجبر و شدّ الذراع بالجبيرة و الضمادة و الرفادة قد حبست جريان الدم بشكل عادي ما أتلف وظيفته و رجعه إلى المعمل التحويلي الذي هو القلب. أشار إلى مصطلحات و ألفاظ طبية و علمية و مكونات بيولوجية و خصائص دموية متداخلة في تسبب ما وقع. و قد تحوّل الملف عند الأسرة النقابية إلى وفاة في ساحة المعركة النضالية.

هو الشهيد عبدالنبي داكور، المنضال الذي لم يساوم طيلة مساره النضالي و النقابي و السياسي. ذاك الذي بقي على عهد النزاهة و نقاء الضمير. اغتنى الوصوليون و الانهزاميون الراكعون على عتبات الذل. لم تجرؤ حيضل الذئاب على مساومته يوماً. وجدوا شخصيته دافعة للاحترام في عز التناقض و الخصام، مانعة لما تبقى من ذرة ضمير حيّ و من كرامة مفقودة ففي جوف الفؤاد الشارب للمرارة في وعيهم المنسي، من المحاولة مع من مثّل نموذجهم المفقود كخونة أو كعملاء. لم يمت الشهيد. حتى في تغسيله و تكفينه، حتى في وداعه الأخير قبل إغلاق التابوت، كان وجهه حيّا و مشعّا. كانت الابتسامة مرسومة و دالة على ثبات صلد وقّعه محيّاه. و كأن الموتى هم هؤلاء الأحياء الذين لم يقدروا و لم يجرؤوا على الصراخ و على النضال و على التعبير بالرأي و مواجهة كل طغيان.

صفاء. لم يسعفها كل هذا في ثبات. انهارت قواها و ضعفت و هزلت. افترشت الصمت حكمة لمواجهة الموقف. امتلكت الشجاعة و القوة لحظة الصدمة و التدخل و الاستغاثة، لكنها الآن تلقت رسالة القدر. أرملة. ستسافر مع الصور و الذكريات و مع صوته الحاضر في فؤادها. ستلتفت كل مرة ينفلت فيها صوته و نداؤها من اللازاوية في الروح أو في هذا الوجود المكاني و الفضاء الذي تعيشه الآن. ستقيس الجنون و تتذوق مرارته و عذابه. عليها أن تستنجد بالأحياء لكي يساعدوها على المقاومة و على الاستسلام و قَبول القدر و التسليم به. طفلة جرفها تيار بحري فوق مركب يكاد ينكسر، تتمسك بعمود شراعه المقاوم في ميلان حاد. و ما باليد حيلة. هي الحياة و ما وهبتهنا. لله ما أعطى و لله ما أخذ. هكذا تكون هذه الجملة الأخيرة مسكّنة جراحها. عساها تصمد.

Commenter cet article