Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
Le blog de mondevenir/imami hassanإمامي حسن

أم الغيث 20

29 Décembre 2016, 07:24am

Publié par ( mondevenir ) de imami hassan

أم الغيث 20أم الغيث 20

قضين الليلة رفقة سهرة الأسبوع. في الصباح التحق بهن عثمان و هو في استعداد للمغادرة من أجل مقابلة في كرة القدم سيجريها بملعب مؤسسة تعليمية عمومية. اتفق مع أصدقائه على ذلك ما دامت ملاعب المؤسسات العمومية المدرسية و قد أصبحت في متناول الشباب لكي يمارسوا فيها رياضاتهم المفضّلة، ما دامت مؤسسته التعليمية الخصوصية لا تتوفر على ملاعب خاصة.

جلسن لارتشاف جرعات قهوة سوداء ساخنة بعد تناول وجبة الفطور. شغّلت السيدة صفاء  التلفاز. برامج الصباح على القنوات الوطنية. انتقلت عبر لائحتها المرئية على الشاشة. كان حظ قناة إعلامية و إخبارية حاضرا في ضغطها على رقمها و تسميتها. هو برنامج ثقافي و حواري مع فنان تشكيلي. سبق للقناة أن سجلته مع الفنان التشكيلي المرحوم عبداللطيف الزين. أسفل الشاشة أخبار مكتوبة لآخر المستجدات العالمية و العربية. خبر مسيرة الرابط التي ووجهت بتدخل عنيف من طرف رجال الأمن أثار السيدة صفاء و جعل حدسها يقرع الطبول مع نبضات قلبها. خوفها على زوجها و قد شارف الستينيات من العمر. خوفها على وضعه الصحي و قد سبق له أن أجرى عملية جراحية قبل ثلاث سنوات لتوسيع أوردة ضخ الدم في القلب. استشعارها سوءا قد وقع جعلَها تستنفر صديقتها و هاتفها المحمول. دامت رنات الهاتف متكررة لا يجيب عليها زوجها عبدالنبي داكور. اتصلت بأرقام لأصدقائه النقابيين المرافقين له. لا أحد يريد الرد على مكالمتها. انتظرت ربع ساعة تقريبا و هي في حالة توتر، كان السيد عبدالنبي هو المتصل أخيرا:

ـ ما الذي وقع؟ لماذا لم تجيوبني على الهاتف؟ بقيت متوترة و خائفة. الخبر في القنوات الفضائية مرعب. هل من إصابات فعلا؟

ـ هناك إصابات فعلا. لقد تعوّدنا على استضافتنا بها منذ عقود. إنما هذه المرة يبدو أن الزرواطة عادت لحنين عنفها القوي. كسور و جروح غائرة بين نساء و رجال التعليم و النقابيين. لا تقلقي سنعود لمكناس. حاولي أن ترتاحي قليلا.

ـ قل لي: متى ستعودون؟

ـ يمكن أن نبقى حتى ليوم الاثنين. الصديق عمر الباري  يلح على بقائنا عنده لمناسبة عائلية. لا تقلقي. هل ما تزال الأستاذة عندك مع اختها؟

ـ نعم. لكنني غير مرتاحة البال بسبب ما قرأت أخبار التلفاز.

كانت الساعة تشير إلى الواحدة بعد الزوال و نصف. اقترحت السيدة صفاء على ضيفتيها الذهاب إلى مدينة الرباط في جولة لما بعد الظهيرة. فكّرت السيدة غيتة في ابنها عثمان و كان أن بقيت السيدة عيشة بمكناس حيث أقلوها إلى منزل أختها، و ذهبت الأستاذتان في رحلة  استطلاع أو استكشاف. اعتدن على الرفقة في كم من مهام داخل المدينة و خارجها. كم من واجب اجتماعي في تعزية أو في مباركة أو في نزهة قامتا به مع زميلاتهن. مرات بمدينة إفران و أخرى بفاس أو الحاجب أو غيرها من المدن. ها هما في مهمة خاصة و كأنهما صحفيتان أو محققتان تريدان التأكد من الخبر الذي نشر، رغم أن بال السيدة صفاء كان قلقا فعلا. كلَّ مرة ينفلت انزعاج و تحسّر يقطع عليهما وديع الكلام و الحوار. كان دور غيتة هنا معاكسا في الطمأنة و التخفيف على صديقتها من وسوسة الاحتمالات.

ـ هل قلب المرأة بوقع النبوءة و التنبؤ؟ غالبا ما تستشعر ما وقع أو سيقع. هذا حالي الآن.

ـ لا تقلقي عزيزتي. كل شيء سيكون في خير حال. أريحي بالك الان فقط.

 

 

 

شارع محمد الخامس و قد أخذ حُلّته الجديدة. بياض يرسم جمالية العمران و هندسته. أشجار تنتظم  لتوقّع هدوء المساء المقبِل بعد حين. اتخذت السماء لونا أرجوانيا اختلط مع زرقة لازورية جميلة عانقتها أضواء المصابيح الموزعة بين أرضيات الشارع و أعمدتها القائمة. أطلال الهندسة الشامخة لبعض البنايات ازدادت سموقا مع خيوط الضوء الهاربة من منابعها بحثا عن اختراق للامنتهى السماء و كأنها فراشات تبحث عن احتراق. هنا كانت أشعة الضوء بقدر ما تنفرش و تنسدل منبسطة على الفضاء المشكّل للأرض و السماء و المكان ـ و لا ندري أين تبدأ السماء، هل بقياس رؤية العين أم بشيء آخر؟ ـ.

شعرتا بأنهما دخلن في مغامرة فريدة. كيف لهما أن يأتيا إلى العاصمة في لحظة غروبها؟ هل ستتمتعا برومانسية اللحظة ام بهواجس دفعتهما لزيارتها؟

لا يخفى على بالهما ما يقع بهذا الشارع الرئيسي للعاصمة. كيف أصبح قِبلة للاحتجاج و النضال و المطالبة بالحقوق. سبق للسيدة صفاء ان شاركت مع زوجتها في مسرات كبيرة خلّدت لتجارب امتحان المشاركين و المشاركات في درجة وعيِهم و قدرتهم على الصراخ و الاحتجاج و ترديد شعارات مسهمة و هادفة. تاريخ نضال السيد عبدالنبي ارتبط بمحطات المطالبة بتعليم عمومي مشرف و بالدفاع عنه و برفض مجموعة من اقتراحات الإصلاح التي تريد الإجهاز على ما تبقى من كرامة هذا البلد. ارتبط بمسيرة المطالبة بإصلاح مدونة الأسرة. كان خطهما مع تيار الحداثة و المعاصرة. و كانت نسبية الموقف توقع حرجا في نفسيتهما مثل باقي  المتظاهرين. تجلّى ذلك في عدم الحسم صراحة في مجموعة من القرارات المقترحة لإصلاح مدونة الأسرة أو تفعيل مجموعة من القناعات. تبدو تلك الاحتجاجات مخيط سحاب لإعصار يريد نزع ثقافة من وجدان مرتبط بأصول أخلاقية و دينية. ينفضح كل شيء حينما لا يجد الجل جوابا شافيا في الفصل بين ما هو ديني و ما هو دنيوي في اقتراحات الإصلاح و التطبيق السياسي.

ـ ما نزال أمة متخبّطة... هكذا يكون رأي السيد عبدالنبي كل حين، يعبّر عنه بصراحة لا تخلو من سخرية تناول و صراحة بوح يجعل الواقعي التي تصاحب قرارات قناعاته و نضالاته أقرب في الاختيار من طرف مرافقيه الذين يون فيه تجربة جيل من المناضلين النموذجيين الذين يمكن الاقتداء بهم و الالتزام باختياراتهم.

لا أثر لما قرأته السيدة صفاء على شاشة القناة الفضائي العربية الدولية. المساحاة الخضراء القليلة التي بقيت صامدة في امتدادها عبر الشارع اتخذت لونا داكنا في عشبها و سعف نخيلها. راقصتها النوار في بياضها الذي ترسله كلواقح في هذا الليل الرباطي البارد. لكنه لن يكون بدرجة قساوة المناخ القاري الذي أتيَا منه.

على الرصيف، ىنسة كفيفة تجلس على كرسي بلاستيكي صغير. تضع أمامها علبة كارتونية مقلوبة و تضع فوقها أوراق تنظيف للبيع. على واجهة الصندوق كتِب: ساعدوانا في البحث عن عمل و ضمان لقمة و عيش كريم. بيدها اليسرى تحمل علبتي سجائر، الأولى حمراء و الثانية خضراء داكنة. لم تختبر السيدة صفاء ذهنها في معرفة نوعية علب السجائر هاته. منذ مدة كان زوجها قد ترك التدخين. خرجت لعبة أسمائه من ذاكرتها.

ـ يبدو أننا سنحتاج لسؤال الناس هنا.

ـ لمَ لا تهاتفين زوجك السيد عبدالنبي؟

Commenter cet article