Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
Le blog de mondevenir/imami hassanإمامي حسن

أم الغيث 16

19 Décembre 2016, 07:23am

Publié par ( mondevenir ) de imami hassan

أم الغيث 16

 

خلوة غيتة ملجؤها في استنشاق روحها و سقاية فؤادها. خلوة قررت جعلها في صلاتها. لا أحد تقحمه كصوت حين دخول سفرها و رحابها. استطاعت أن تجرب التجوال الفردي في أدغال الطبيعة. و كأن الحيوانات حين رؤية نظرتها تستشعر عمق غضبها الدفين و تترجم غليانه في لمحاتها. يفر بعضها أو يقف مكبّلا في الحركة كأنه يحاورها و يسألها عمّا بها. قد تحدس غيتة السؤال و قد تطلب سقايتها بعبق الطبيعة. تقف بين مفترقين، هما الطبيعة و المجتمع. تحن إلى وضع طبيعي يجردها من ذاكرة ألم و يعرّيها من لباس ثقافة أورثتها هذا الحزن و هذا الجدع المشروخ و المخروم لكي تسكته ديدان الموت التي بدأت تلعق كل لعاب داخلي عندها.

يوم فكّرت في الانتحار، و كان ذلك لمرات متعددة، صدّتها تلقائيا صورة ابنها عثمان، و كأنها مرهونة لغيرها لا حرية لها في اختيار بين الوجود و العدم. تصالحت غيتة مع الضاية التي أنجبتها. قامت بجولات حول ضفافها. جردت ساقيها من حذائها و احتفلت ببرمائيتها، هي المرأة السمكة. هل من أسطورة تسكن حكي هذه البحيرة. تذكرت يوم حكيها لصفاء عن أسطورة صغروشن. لا تحتاج اليوم إلى تصنيف لها بين الكرامة أو المعجزة او الأسطورة و الخرافة. لها قوة داخلية تسكنها. قوة روحية إيمانية خلقت معها ميثاقا و عهدا مع الله تعالى في السماء. تتعلق بالشوق لملاقاته في الصلاة رغبة في التجرد و الانسلاخ من هذه المادة. تحقق ذلك أكثر في خلواتها و صبحيات فجرها.

إنما في لحظة الماء و حضرته شعرت باشتياق لذلك الحكي. حاورت نفسها حوله و كأنها تحضّر لدرس سيخضع لمباراة كفاءة مهنية. حرية اختياره هي انجراف هذه الذات لزمن ذاكرة خاصة. من ملأ هذه الضاية؟ دمعة حب أو دموع حرمان؟ قصة عشق بين حبيبين فصل بينهما قدر المجتمع او القبيلتين؟ نفس القصة نجدها في حكاية إيسلي و تيسلي، البحيرتان بمنطقة إيميلشيل. نفسها توجد ببحيرة أو ضاية إيفرح. ربما توجد في مناطق متعددة. تُرى، ما الذي سيكون الأصل؟ تعلّمت غيتة في درسها الجامعي و الثقافي بأن الأسطورة تسافر مع الثقافات و العلاقات الإنسانية، تتأقلم و تتكيف و تتبيّأ. هذا النداء لقيمة الحب و الانتصار للقلوب التي تكسر العداوات و تدعو لابتسامة حب، لماذا لم ينصفها هي كامرأة، كفتاة، كطفلة على الأقل؟

تلاحظ اليومية الموضوعة فوق مكتبها بغرفة نومها، و تاريخ هذا اليوم التاسع من أكتوبر 2016. لم تنتبه إلى أن تاريخ مولدها و ذكراه هو التاسع من نفس الشهر. كان بالأمس ليوم السبت الذي سبق الأحد. لم تحتفل. لم يذكّرها أحد. ليس لها حساب في الفايسبوك و لا في التويتر أم غيرهما من المواقع الافتراضية التفاعلية التي يمكنها أن تستفزها أو تفرحها بمناسبة عيد الميلاد. تحضرها صورة المرحومة السيدة حورية. هي من دوّنت و أرّخت لحدث ميلادها. هي من سجلت لها معلومات البطاقة المدرسية و سهّلت حصولها على عقد ازدياد و أوراق ثبوتية. من سيحتفل معها دونها. و هل يمكنها الاحتفال مع الاموات؟

هذا الجرح الذي امتد لأربعة عشر سنة. منذ زواجها من المسمى عبدالسلام الهدفي سنة 2002. ابنها عثما عمره الآن اثنى عشر سنة. انتبهت إلى أن هذه التواريخ تتخندق داخل المسمى بالقرن الواحد و العشرين. و بِمَ ستحتفل مع هذا القرن؟ إذا كانت اختها عيشة قد خرجت خلاله من الجحيم إلى سلام من العذاب و الذل و الهوان، فإنها هي غيتة التي كنّيت بام الغيث منذ طفولتها، يوم داعبتها الذئاب قبل استدراجها لنهشها، قد دخلت إلى جوف هذا الجحيم مع بداية هذا القرن الواحد و العشرين. ماذا ستسجله للتاريخ؟ لا تريد أن تكتب تاريخا مغلوطا. و هو تاريخ لا يكتب أصلا. إنما، ألا يمكنها أن تحاول؟ هذه القصائد بيانات و مرافعات و شكاوى و سجّل جروح مدونة لا طبيب سيداويها و قرنا زمنيا جديدا سيقوم بهذه المهمة. هي العاجزة عن العيش، و هي المتعلقة بخيط رقيق و رهيف في العيش، هو خيط فؤادها عثمان فلتة كبدها. لا تعترف بانتمائه الأبوي. لا يهمها إن كان يحمل اسم أبيه في دفتر الحالة المدنية. الأم تعترف بالهوية الوجودية و الطبيعية. هي من أنجبت و احتضنت و هي من تربي، و هي من تخاف و تصون حملها الوديع و تبعد عنه ذئاب الطبيعة و الثقافة و المجتمع.

تنظر إلى اليومية و تبدو لها الخانات و قد أصبحت قليلة لاختراق عام جديد. عيد بأي حال عدت يا عيد؟

Commenter cet article