Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
Le blog de mondevenir/imami hassanإمامي حسن

أم الغيث 15

18 Décembre 2016, 05:17am

Publié par ( mondevenir ) de imami hassan

أم الغيث 15
أم الغيث 15

حدو بويمجان، وسيط السهرات الموسيقية و الاحتفالية. يمارس مهنته منذ طفولة أقحمته في هذا العالم و جعلته ضروريا داخله. قد لا يبحث عن قيم تؤسس لعلاقاته سوى ما تربى عليه داخل مجتمعه المصغر. هو أدرى بالقانون الحقيقي الذي يحكم الحياة الواقعية داخل مجتمعه. يعلم ما يسير مدينته و لا يتضجر من استمرار هذا التسيير و هذا المنطق. ما استفاده عمر منهك من الجري وراء المال و اللذة. لكنه استطاع أن يحصن قلعة صغيرة آوته و احتضنت عش أسرته التي بناها منزلا و زواجا و أولادا، و كان ذلك حين تجاوزه عقد الأربعينيات.

و قبل ذلك، كانت حياته مغامرات و سهرات و علاقات. طوّرها من بضائع الأسواق و التوسط في توفير الخدمات و الخادمات إلى سوق نخاسة جنسية يبيع في الأجساد و يساوم في إغراء هذه لذاك أو هذا لتلك. كانت عيشة إحدى ضحاياه. لكنها كانت أفضلهن عنده و أسذجهن ليونة و تسخيرا. جاء بها من مدينة فاس. أقنعها بالمكوث حيث يشاء. خوّفها من ان تكون حاملا. وعدها بمستقبل أفضل، و هي الفتاة الكاملة الأنوثة. سيرغب في التعلق بها كبار القوم من الملاكين و الفلاحين المشهورين، و حتى من رجال السلطة و النفوذ.

ستة عشر سنة، عمر الورد في نديته و التبلل بطله. هكذا وصفها في إنشاد أمازيغي معبّر. أثار غيرة السامعين و السامعات، و كان العاشق لهذا الجسد. وقّر لها ما تحتاجه في حياتها البسيطة. أنشد لها و حفّزها على الرقص و الغناء معه. كانت لهجتها الأمازيغية بدائية و هي التي تربّت على اللهجة الفاسية و الدارجة المغربية. أثّث قاموسها و لامها على جهلها بلغتها الأم. جعلها لها لقبا في البداية بالفاسية. و ما دامت تتقن لهجة المدينة فقد كانت محببة في سماعها و حوارها. تحقق ذلك التعلق بحضور أفراد مجموعته معه في ليالي سمره. أذاقها مشروب الماحيا و قبله النبيذ و الجعة.

سنتان مرتا على هذا الكسب لحدو بويمجان. تدرّج في السقوط بها إلى حيث يشاء. و ما يشاء إلا ما يفرضه منطق الاستغلال في فضاءات المدينة و اصطيافه و ما سُخِّرَت له وظيفة و ترفيها و استغلالا. أربعة عشر سنة، استطاعت فيها عيشة أن تكتشف صورة المدينة الحقيقية و أن تزيل القناع عنها و المساحيق التي تخبىّء قبحها. جمال الطبيبعة لا يستحقه أهلها و روادها. هكذا عبّرت عن ذلك للأستاذة صفاء في منفلِت الحكي و الحوار. كانت أختها غيتة هي المكملة لنسج منطق الحكاية و أسرارها.

و كان التجوال خلال مدة الاصطياف كافيا لكي تكتشف صفاء تضاريس هذه الهضبة و هذا الجبل، جبل كندر. تقف غيتة مع صديقتها مدعمتين وقفتهما و مستندتين على حرف السور القصير الذي يحيط بالحديقة الصغيرة بالقرب من محطة سيارات الأجرة. تدعوها لرفع عينيها و جعل بصرها ممتدا مع طول الشارع العابر للمدينة آتيا من طريق إيفران و متجها إلى مدينة فاس في انحدار:

ـ ها هي المدينة أمامك يا صفاء. تبدو جميلة و خلابة. ألا تلاحظين أنواع الأشجار السامقة. و هذا الهواء الذي نفتقده في عيشنا بالمدن الكبيرة و بمكناس. أنظري، مشاريع سياحية و تلك الضيعات الممتدة مع الهضاب المنحدرة، و هذه الشاليهات و الفيلات الراقية التي تمتلكها أسر غنية محلية و خارجية. لكنني الآن أدعوك لكي تنظري إلى هذه الحافة المنحدرة و المتربة. قد لا تبدو لك معها سوى أجمة الأشجار الملتفة حول جوص عين الشفا التي زرناها أمس. لكن ما تطويه الحافة و يخون العين اختباء و اختفاء، كذئب ينام على خديعة او ينتظر فريسة، هو الحياة الحقيقية و المرّة التي تاويها المدينة لضحايا المجتمع. أعتبر وصف الجنة و جهنم في الكتب الأوربية منطبقا على مدينة إيموزار. ما تطويه الحافة يا صفاء كهوف و مغارات. هامش سحيق يتستر على اقتصاد جنس و استغلال للمرأة في نخاسة و دعارة. و بين أحضان هذا الواقع أسست عائلات أعشاشها و ربّت أولادها و قاومت و تحدّت ذل و هوان الحال لكي تحاول أن تتشرنق و تخرج في يوم من الأيام منه بقدر تحسن الأحوال و تغيّرها. في هذا الجحيم طمر ذلك اللعين حدو بويمجان حياة عيشة. طمّعها و استغلها و رماها للاستغلال الجنسي. كان الحاضن الذي يشرف على كل ذلك، و غيتة لا تعرف من حامٍ لها سوى هذا الذئب القبيح. كم ألوم تسمية القبيلة يا صفاء. أضحك ساخرة. لقد أصبح الذئب غير جامد. ( وشن يلا صغرو ). البركة التي كانت في بداية تأسيس مجد هذه القبيلة التي امتدت في جميع الاتجاهات على جل قمم الأطلس و سفوحه، طارت هذه البركة و بقيت اللعنة هي القائمة كأنها القيامة الباردة تسحق أهلنا و نفوسنا. كانت توظيفي سنة 2000 منطلق محاربة هذا الواقع. كنت خجلة من مواجهته في البداية، لكنني لم أجد بدّا من تحدي مرارته و تجرّع رائحتها في البحث عن عيشة و إنقاذها من هذا الجحيم. كانت روحا ميتة. نضب نبع عينيها. جفت دموعها. لما رأتني واقفة في باب المنزل الذي تقطنه مع أخريات، تحولت بياض عينيها إلى جمرتين قانيتين كقنبلتين تنتظران الانفجار الخير. ارتعشت و صرخت بلغة الطفولة. عوت كذئبة و انهارت موقّعة بذلك حضور أنوثتها اللطيفة و الناعمة. قد يكون الانهيار و فقدان الوعي بداية التخلص لا شعوريا مما يتحكم في لا وعينا و يكبلنا في عقولنا. تُراها ماذا تخيّلت أثناء ذلك المشهد و تلك الغيبوبة التي أسقطتها فكادت أن تهشم رأسها على حرف الدرج الإسمنتي الصلب؟ لم ترِدْ أن تبوح بحقيقة ذلك ليومنا هذا. لم أبحث عن كشفه و لا يهمني الآن ما تضمنه. ما يهمني هو استطاعتي اقتلاعها من قدر ذلك الجحيم و إخراجها لترى شمسا و نورا حقيقيين. لكي تتنفس هواء نقيا. عادت الأيقونة لإشراقتها. لاحظي وجهها و نضارته. لكن، لاحظي كذلك يديها. ورثت تجاعيدهما و خشونتهما من شقاء طفولتها. لم تدرك بأن يديها اخشوشنا بفعل مادة أسيد إلا في السنوات الأخيرة. كانت عائلة بنجدي تمتلك محلا لصناعة و بيع الأواني الفضية و المعدنية. و كان فضاء الرياض يتحول كل حين إلى ورشات لتنضيد و تبييض و تجديد نصاعة المعدن. و كانت يدا عيشة الرخوتين خير أداة للاستعمال برقابة مولاة المنزل و الخادمة الكبيرة المشرفة عليها. لو أنها مسحت إحدى عينيها و يدها مبللة بتلك المادة لفقدت بصرت و أتلفت بؤبؤتيها. لكن الأقدار لطفت بها. إخراج عيشة من جحيم إيموزار ربما كان بداية إعدادي لابتلاء خاص بي حتى أعذرها على ما مرّ بها و ما رمت نفسها داخله. لكن من  المسؤول طبعا على ما جرى لأختي عيشة؟

Commenter cet article