Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
Le blog de mondevenir/imami hassanإمامي حسن

أم الغيث 14

17 Décembre 2016, 05:59am

Publié par ( mondevenir ) de imami hassan

أم الغيث 14أم الغيث 14

مائتا درهم ! أوراق معدودة أبهرت الأب و الأم. اعتبراها عربونا سيستمر في النزول من السماء. كانت آخر مرة يحلمان فيها بمثل هذا القدر من المال. يوم يلتقيان حدو بويمجان، فرادى أو هما الاثنان، يتلقيان وعودا بأمان و بأن عيشة تتلقى صنعة و تعلما لم تكن لتحلم بهما لو بقيت بين الجبال المنسية. قد يجود عليهما بورقتي عشرة دراهم. قد ينبّه إلى كونهما من عطائه و جوده، و انه مجرد فاعل خير فحسب. إنما سيطمئن على أحوال عيشة حينما سيزور مدينة فاس.

حسب الوالدان بأن اختيار جعل ابنتهما في حضن أسرة فاسية سيجعل لها حظوظا تنقذها من ظروف عيش جحيمية. قد لا يعلم أحدٌ جراح الفقدان إلا الأبوان. الخوف على الأولاد من المرض و البرد و تهديدات الحياة الجبلية القاسية. يتشبتان بالحياة و بالأمل. قبيلة متماسكة في الانتماء لكنها مشتتة كنيازك منثورة إلى صدفة مسار الفضاء. كل  عائلة صغيرة تخترق الحياة بجهدها و مغامراتها. كم من أخ و أخت فقدتهما أن عيشة؟ بحسب علمها، ثلاثة قبل ولادتها، و مع ولادة غيتة كادت الأم أن تزهق روحها من أجل أن تخرج هذه الروح الجديدة إلى قدر يتوعد أكثر مما يعد. بعد غيتة كان أخا آخر قد ازداد، لكنه فارق الحياة بعد شخرين من ولادته في فصل شتاء قارس و ثلوج جمّدت كل حركة ثوب فبالأحرى حركة الإنسان. انطفأت النار المدفئة للكوخ الصغير في غفلة من نوم الجميع. كان لون المولود الجديد قد أصبح ازرقا و كان فاه مفتوحا للبوح و ما هي إلا فتحة إزهاق الروح. الالتحاق بالسماء. و كان قدر الأم دمعة و وعد بإعادة إنجاب كأنها مقاومة للموت و متحدية لرهان يعد بالفناء و العدم. قد اصبح النظرة غريبة إلى هذه السماء، خصوصا مع فجر كل يوم جديد. أي جديد ستفاجئهما به؟

اعتبرا عيشة محظوظة بهذه الرعاية الجديدة. يوم زاراها بحي البطحاء، انبهرا للرياض الذي يحتضنها. ذلك المنزل الفسيح الذي يأخذ هندسة جنة نعيم لا يسمعان صورتها إلى في حكايات الفقيه الذي يتجول للتبرك بين القبائل أو ذاك الذي يلقي خطبته بلغتين، عربية  و امازيغية يوم الجمعة أو العيد، إذا حضراها مصادفة و تزامنا مع يوم السوق الأسبوعي...

تلك الغرف الكزيلة و الفسيحة و المزخرفة بخشب يزين سقوفها بأحسن الأشكال، أو تلك الألوان البهيجة التي تفترشها الحيطان بزليجها المرمري اللامع، أو تلك الأقواس التي تنفتح لها أبواب خشبية ضخمة كأنها أبواب قلاع لا تعد إلا بالأمان. و الماء. و هذه الأشجار المتنوعة التي تعد بها الجنة. ها هي موفرة داخل بستان هذا الرياض. شجرة رمان و توت و كرم تين و زيتون و ليمون و برتقال و ورود و ازهار... ياه ! بقي الفاء مفتوحا.

و لا هذا الاسقبال و حلاوة اللسان و طلعة عيشة بصندل يحمل لونا أصفر جميلا و فاتحا، و سبينية بأهذاب مرصعة لامعة، و وجه وضاء قمري الإشعاع بعبد عن كل لفحات البرد و ورقته التي يرسمها على جلد المخلوقات غير الوبرية...

ـ مرحبا بسيدي صالح و لالة يطو.

هكذا كان جد العائلة و أبوها الكبير يرحب بهما و هو في جلسته تحت سقيفة المنتزه. أمامه صينية شاي معدة باوانيها و كؤوسها، بموادها من حبوب شاي و سكر و نعناع و شيبة و بتلات أزهار بيضاء و وردية مجففة. كلٌّ في أطباق مغطاة، يكتشفها المنبهر لجمال الجلسة كل حين فيتابع وظائفها و ما تعد به.

كانت فرحة عيشة برؤية أبويها كبيرة، لكن ألفة الطفلة و قد بلغت تسع سنوات آنذاك، و قدرية الاستسلام في براءتها لما سيقرره الكبار، جعلاها تسعد باللحظة و تعيشها بفطريتها أكثر. ربما تلوم بشجونها المتحشرجة في اللاوعي قدر الغياب و التغييب. ربما ستحاكم الجميع الحاضر أمامها على مسارها و مصيرها و أشكال الحرمان التي هي فيها. لكن كل هذا مؤجل من أجل لحظة فرح تشبه لحظة اللعب الطفولي الذي لا تغتنم منه عيشة في حياتها اليومية إلا ما استطاعت نزعه في غفلة من الطلبات و الخدمات...

يومها ذهبا بورقة خمسين درهما و أمام أعين حدو بويمجان الذي لم يفارقهما حضورا و تنقلا. كان فرحهما برؤية ابنتهما سالمة معافاة كفرح اطمئنانهما على ابن في أدغال جبال مع معز او غنم و عواء ذئاب جائعة تتوعد من رؤوس قمم مقابلة، مرت لحظات الرعب و هدأت العاصفة و احتضنت الأم طفلها و اطمأن الأب على قطيعه و ابنه في آن.

منذ تلك الزيارة انقطع حبل الاتصال مع عيشة. هي في جنة البطحاء و رياضها. كلما شرح لهما الفقيه صور الجنة في سورة الرحمان مثلا إلا و انشرحت أساريرهما و انبسطت. الخوف من الغاب أقوى من هذا الخوف الذي يمكن أن يأتي من المدينة. و الحمد لله. هناك نساء يرعونها. و هناك عائلة كبيرة غنية. و هناك كرم بدا في تلك الزيارة بذلك القدر من المال و بتلك الألبسة التي تكرمت عائلة بنجدي بها عليهما و...

عيشة تُرِكت لمصير حياة جديدة. تعوّدت عليها و اعتبرتها بابتسامتها و اندهاشها و خوفها الوجودي و الطفولي... مالت كفة الأمان مع الأسرة الجديدة أكبر، ما دام أصحابها هم الحاضرون معها و الراسمون لتخطيطات يوميّها و مستقبلها. بدأت في تعلم الطرز الفاسي والرباطي، لكنها تعلمت قبله طرق التنظيف و الغسل و الطبخ و إعداد الخضر و تنضديد المساند و الأفرشة و تخليل الفواكه و الزيتون و تحميضها و خزنها، و تجفيف لحم القديد... عالم و ثروة تجربة جميلة في اكتشافها مرهقة في الحصول عليها. هي ذي حياة عيشة و قد أصبحت فاسية في نظر الناس. لكنها في نظر عائلة بنجدي هي الخادمة الآتية من أدغال الأطلس. هي المختزنة لأنثوية سرعان ما ستنفجر حين بلوغها و حيضها. معالم جسد فتان و رشيق بدأت تثير غرائز المشتهي و مخاوف نساء الرياض.

بدأت معاملات اللطف مسترقة من طرف الطامعين، و معاملات التعنيف و التهديد و الإهانة بادية من طرف غيرة نسائية مشتعلة نارُها داخل صدورهن. و كما في الروايات الكلاسيكية، و أشعار الغزل الذي يبيح الافتتان و الاهتياج و الاشتياق و الافتراس الجميل للغزال المصطاد، استطاعت الذئاب أن تنتزع براءة الغزالة. اجترحوها و فضوا بكارتها. أقحموها في وعود لم تكن تدري هل هي حقيقة أم وهم، لعب أم جد، متعة مشروعة أم ماذا؟ لم تكن تدري و قدري مركب صغير يقودها داخل عواصف هوجاء يتفنن الكبار في اضطراباتها و سكينتها.

يوم ضُبِط أحدهم معترشا جسدها الوردي الفتان كانت الولولة و القعقعة و كان الحسم بضرورة طرد عيشة بنت الشيطان الذي فتن رجال الأسرة و أغواهم و عمى بصيرتهم. أُرسل في طلب حدو بويمجان بسرعة. أخذ الفتاة و معها قدرا ماليا هو خمس مائة درهم. كانت سنة 1984. أحداث أزعجت الزائر للمدن الكبرى و منها مدينة فاس. غلاء معيشة متزايد خنق الأنفاس و جعل التصارع بين أفراد العش الواحد. جفاف  و قد بدا مهددا بعودة سنوات المجاعة التي تعشش فطريا في نفوس الأجيال المرتبطة بها و بتربية من عاشوها.

كان حدو بويمجان إلى جانب مهاراته التجارية و الوسيطية فنانا و شيخا متقنا للضرب على البندير. عشير الطرب و أحيدوس و السهر و الخمر و المجون. ثقافة لم تعدم في الأوساط الاجتماعية، لكنها كانت عند حدو أسلوب عيش و استرزاق كذلك. و الاسترزاق يكون بكل القيم في هذا السياق، المقبولة منها و المنحلة. و كانت عيشة التي رافقته واهبة قدر مصيرها له بعد ان طردتها العائلة التي وهبت فؤادها لأفرادها حبا و خدمة و تعلقا، حتى إنها لم تعد تفكر في أبويها و لا أسرتها في ضاية إفرح إلا كتذكر و استئناس. و كيف ستكون حماية الذئب الجديد للشاة المذبوحة؟ سخرية سؤال لم تبحث له عيشة عن جواب. استسلمت لحدو بويمجان في تخطيطاته. أليس هو من جاء بها إلى رياض البطحاء و كون و عالم مدينة فاس و أسرة بنجدي؟ !

Commenter cet article