Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
Le blog de mondevenir/imami hassanإمامي حسن

أم الغيث 13

16 Décembre 2016, 10:12am

Publié par ( mondevenir ) de imami hassan

أم الغيث 13أم الغيث 13
أم الغيث 13

إيموزار كندر:

مدينة الشلالات و المغارت. مدينة الضايات و مراكز الاصطياف الجميلة. لكن إيموزار كندر مدينة التاريخ المنسي كذلك و الذي لا يعلمه جل الناس. قد يأتون للاصطياف فلا يرون سوى جمال الطبيعة و رقرقة المياه، إنما حياة الناس و الساكنة و لغة المدينة الحقيقية لا يفطنونها أو إنها شبح لا يبوح بكلامه لأي كان. فلن تبوح إيموزار للغريب عن قلبها بشجونها طبعا.

ذلك قلب غيتة كذلك التي أصبحت تنتمي للمدينة أكثر من انتمائها للضاية التي احتضنت إشراقة حياتها و ضياء روحها. غيتة التي ترى في واقع المدينة واقع أختها عيشة. جرح آخر استطاعت أن تتغلب عليه و تغيّره إلى ما هو أكرم.

كانت عيشة و ما تزال أختها الكبرى التي ترسم أثر الكدح و الفقر الذي تعانيه أسر الرعاة و الجبال المنسية بالأطلس. ملامح الذكرى كانت ضعيفة بالنظر لذاكرة المرحومة أمها و ذاكرة عيشة التي تبوح و تفجر ما وقع. الكرامة مجروحة وجوديا و تاريخيا و اجتماعيا قبل أن يجرحها هذا الوغد الذي اقتحم حياة غيتة كفارس ثم سرعان ما تحوّل إلى وحش ينهش بالمخالب المتاحة في جسدها كما في روحها.

و جرح عيشة هو جرح المدينة. كانت غيتة ترسمهما حكاية لصديقتها صفاء حين زيارتهما لمدينة إموزار كندر خلال فصل الصيف الذي تلا نزهة إفران السالفة الذكر. و كأن صفاء هي السجل المائي لهذا الحكي المرصوص بالبارود في روح غيتة. فعلا، لقد استطاعت صفاء أن تجعل في فؤادها متسعا من الطمأنينة لصوت غيتة و لثقتها و حبها المفقود في تجاربها السابقة. تجعل خطو الحكي إضافة دون الرجوع لما سبق في تفاصيله. تطمئنها بضحكاتها و نكاتها و غنائها و رغبتها في تعلّم أمازيغيتها التي تشتركان في الانتماء إلى مؤسس دولتها الأولى الإسلامية و جدهما الأول المشترك فيها. لا تهمّهما الصراعات الإيديولوجية و لا التوترات الهوياتية التي تستفز البعض في حديث الثقاةفة. امرأتان تشقان طريق الصداقة و الأخوة الثقافية تقعيدا و تجسيدا لمقولة ( ربّ أخ لم تلده أمّك ).

ها هما في ضيافة عيشة بمدينة إيموزار. صينية الشاي و صحن الحلويات و اللوز. طبق التفاح و الخوخ. قِرى أصيلة مغربية تفتتح بها ابتسامات الترحاب و الاحتضان للضيوف و لعشق الاجتماع الإنساني المتجدد.

تبدو عيشة أكبر بنية و طولا من غيتة. كما أنها تعطي الانطباع بأنها أكثر تجربة في الحياة و الصبر على الأحوال. تستغرب صفاء لرؤية وجه وضاء و عينين لامعتين في لونهما العسلي الجميل. شعر أحمر و قد انسدل من جانبي صدغيها. حاجبان يحافظان على بهاء مها واقفة لاستقبال ريح الحياة التي تسافر بالنظر كما بالجسد في معانقة ربع الجبال. لباس بسيط يساعدها على أداء أشغال المنزل بسهولة، و حذاء بلاستيكي أسود لا يفارق رجليها بين بلل مياه الساقية الجارية بجوار المنزل و يبس مهامه البرية. و كأنها فرس تعدو بين السواقي و مسالك الغاب. هكذا تتكرر أشكال التشبيه ذهنيا عند صفاء و ملامح الاندهاش لا تفارق ابتسامتها و فرحها بهذه الرحلة الجميلة التي قامت بها إلى مدينة إيموزار كندر رفقة زوجها في زيارة صديقتها غيتة و في استضافة الثلاثة من طرف عيشة الوجه الآخر لمرارة الحياة و تجاربها.

كان هناك رجل مشهور بلقبه في مدينة إيموزار. (حدّو بويمجان). طول و نحافة و سرعة كلام و حركة. وسيط كل شيء و فضولي كل مجلس و شاهد كل اتفاق. يوم السوق عنده حركة غريبة و سريعة و معارف متنوعة. و من بين مهامه التي يبحث بها عن رزق و مدخول مالي، كانت رحلته بين القرى و الأسر الموزّعة بين الجبال. يشتري منتوجاتها بأبخس الأثمان ليعيد بيعها بما يناسب أرباحه التي تشجعه على زيادة ثقة في تجارته الفريدة و وضعه داخلها.

كانت بعض الأسر من المدن المغربية ترغب في فتيات تتخذهن خادمات داخل بيوتهن. و كانت مدينة فاس بحكم أرستقراطية عيش بعض أهلها مستقطبة لمثل هاته الخدمات و الخادمات. بين سيدي و لالة تكون الخادمة ميسرة و مقربة و رسولة و تحت الإمرة. لكن السن الذي يكون مطلوبا لا يحده عمر و لا تردعه طفولة بريئة و غير قادرة على الخدمات فبالأحرى الابتعاد عن حضن الأم و أمان الأسرة و ذلك الاستئصال المشيمي الذي يجتث الفؤاد و يسحله بدمع جامد غير مرئي. ذلك شعور و حكي عيشة عن تجربتها. حكت للأستاذة صفاء بعضا منه، و ما لم تستطع حكيَه كانت الأستاذة غيتة قد لمّحت به في حواراتها معها.

لنتصور قدرا ماليا بمائتي درهم في سنة 1974،  كيف كانت أجرة العامل و الموظف آنذاك قبل أن تتحول ظروف المعيشة عند جل المغاربة بعد المسيرة الخضراء و التحاق الأقاليم الجنوبية بأرض الوطن الأم و بعد بداية الصراع العسكري بين جارتين حول المصالح الاستراتيجية و الإقليمية.

لم تكن عيشة هي أول فتاة تعرف مصيرها خادمة. سبقتها أخريات. كانت بعض الأسر ترى في ذلك حلا يساعد على تدبير شؤون الحياة القاسية بين هذه الجبال الوعرة و تهديدات المرض و الموت و الجوع...

لم تكن عيشة لتنجوَ من قدرٍ رسمه المجتمع عرفا و قانونا و ثقافة. أخذها حدو بويمجان يوم السوق إلى مدينة إيموزار. سلّمها أمام أبيها لأسرة فاسية تمارس التجارة. بكت عيشة تحت ظل طأطأتها و هي ترافق الأسرة الجديدة. اختلطت عليها مشاعر الحزن مع مشاعر الفرح الطفولي. لأول مرة سترى مدينة كبيرة و منبسطة. بل أكثر من ذلك، مدينة بأسوار و شوارع تجارة و لغة غريبة على أمازيغيتها.

كان حي البطحاء هو عالمها الجديد. و كانت أسرة بنجدي حاضنتها، كما كانت الخادمة طامو معلّمتها و مؤطّرتها في المهام الجديدة. تجربة غريبة ستعيشها عيشة في عالم كبار و مدينة أسوار و أسرار. لكن الأمر سيستمر في سقي جراحها أكثر.

Commenter cet article