Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
Le blog de mondevenir/imami hassanإمامي حسن

17 أم الغيث

25 Décembre 2016, 08:36am

Publié par ( mondevenir ) de imami hassan

 17     أم الغيث 17     أم الغيث

يطل الخريف في نهاية شهر شتنبر، و تطل معه السنة الدراسية الجديدة و موسم العمل و ضغط الأعصاب و إنجاز الدروس و تصحيح الفروض... عمليات لم تعد غيتة تتحملّها. لم تعد لها رغبة في الاستمرار في العمل. لم تجد حلاًّ. قانون التقاعد و مسطرته بدأت تبدو معقدة. سنواتها من العمل لا تسمح لها بطلبه. موجات الاستفادة منه أصبحت كبيرة جدا. مفارقات أدهشتها بين أزمة التعليم و النقص في الأطر و بين الأعداد التي استفادت من التقاعد النسبي مثلا. قد يؤنبها ضميرها، إنما هي عود من رزمة حطب. قد تنساق إلى ما يسلكه عامة الناس. المعايير و القيم اختلفت. كل من يستطيع تدبر أمره و مصالحه الخاصة و لو على حساب الآخرين و القانون و المعايير، فهو ذكي و يستحق التحية. ليس هذا فقط...

تجلس في غرفة نومها. تتكأ بذراعها عل جانب المنضدة و هي جالسة في نصف استواء فوق كرسي لم تستقم قوائمه الأربعة في الانطراح فوق أرضية الغرفة. تشعر ببرودة تسري في رجليها و قدميها و لا تعطي لنفسها حق تدفئتهما بجوارب أو بغطاء فوق ركبيتها. و لقد تعوّدت ان توري بظهرها صفحة المرآة: كاذبة. هكذا تعتبرها. لست أنا من يقف أمامك. و لن أقوم بذلك. لن أنظر إلى مسخ عريك و فضحك. أنا غيتة التي كبّرت بعطف ُأمّين، و التي استفادت من حنانين. رسمت للورود حقولا فوق قمم جبال الأطلس و جبل  الكندر شاهد على ما أقول. تسلّقتُه بمعية أمي حرية في فصل ربيع امتد اقترابا إلى صيف موشك على الحلول. كنت بنت الثالثة عشرة من عمري. كان حلْمي و كانت السيدة حرية مرافقة و ملحّة عليّ لكي أحققه:

ـ كم أرغب في جعل جبال إيموزار مليئة بالورود.

ـ  و لماذا ذلك يا غيتة؟ تسألها حرية و عيناها لا تفارقهما ابتسامة و عطف نظر و سعادة شعور برفقة طفلة كان القدر باعثها كصرخة و كاحتضان و كقبلة للولادة الأولى بعد شرنقة مشيمية.

ـ أرى أن الناس مثل الذئاب. و لو استطعنا أن نغرس الورود في الغاب و الجبال لاستطعنا أن نغرس حب الألوان و الحنان في قلوب الذئاب، فلن تعود مفترسة و لا مخيفة. هكذا لن نشبّه الناس بالذئاب.

ـ هه... وهل نستطيع بذلك جعلهم طيبين.

ـ من؟

ـ الناس؟

ـ سأفكِّر.

ياه. مضى زمن على هذا الحلْم. تُرى، ما مضير تلك الورود التي زرعنا بذورها هناك. تمنّيت لو أنها نبتت في قلوب الناس هنا. ما ازال أنتظر. بين مكناس و وجدة و إيموزار كندر، ما أزال أنتظر رسالة الورود. لم تجبني على ذلك هذه المرآة اللعينة. ليّ جسدي الذي أنتمي إليه. لا يهمني كيف هي هيأته و لا شكله. أكيد أنني لم أعد تلك الشابة الناعمة البضة و الرشيقة القوام. جل النساء تفقدن ذلك بعد الولادة. ليست مشكلتي هي هاته. أوه. لا أريد أن أفكر الآن و لا أن أحلل.

صفاء. تلك اللعينة العزيزة. رب صديقة لم تلدها لك أمك. اللعنة على الرجال. لا صديق فيهم و لا ثقة. هم، كلهم ذئاب. و لا هؤلاء الذين يريدون تصيٌّدي و أنا مطلقة. أشم رائحة لعابهم تحت تبانهم و بين مخارج أشداقهم و إفرازات مسامهم. كلهم ذئاب. و ما استطاع ذاك الجد أن يوقف تحرشهم و لا نهشهم في جسد المرأة. أين هي ورودي التي غرستها فوق قمة الجبل؟ ربما وهبتها للسماء رجاء. هي دعائي إذن.

تتلمس أصابعها في مرافقة هذا المسح لهذه المعركة الذهنية في التذكر و المحاكمة. البراجم رسمت مداراتها و تجعداتها التي ترسم الزمن عمقا في الروح. لا وداع لقلب جريح. لا خلاص. سيبقى في انتظار هذا الخلاص. الخاتم الفضي و قد حمَل فصا من حجرة ماسية سوداء و اتخذ عرضا مناسبا على مدار بنصر يدها اليمنى، يسجّل لفراق العهد أو ارتباط زواج. تديره فف لعبة استئناس. ما تستطيع اعتباره جزءا من جسدها. تزحزحه عن مكانه. يبدو لها بياض وقع حجبه لنور الشمس عن جزء مستدير منه أصبعها. تتلذذ بإبهامها و سبابتها تلك النعومة الرطبة التي تختبئ هناك. و تعشر بحفر الوشم المسلتقي كنقش على صخرة جبل، جلمود أملس صامت عن حكاية الزمن.

عيناها تنحيان نظرا لمشهد اللمس في هدوء يرافقه سكون غرفة النوم بأشيائها و مرىتها المغيبة  عن الاستقبال. ما يزال لونه أخضر. إذن، ما تزاال شجرة الحياة مورقة. ما تزال غيتة جذعا يستطيع  أن يورق و أن يحتفل بفصول الربيع. و لكن، متى؟ تتذكر، و الذكرى لعنتها في لحظات كثيرة من يوميّها، صفاء من جديد. عيشة كذلك. لماذا حضورهما؟

 لا تجيب. تنظر بصمت رهيب للوشم الموضوع فوق أصبعها. تعبس في ارتسامة ملامحها و شفتيها. ( قَنّْ، رْزْمْ ). يوم سألتْها صفاء عن هذا الوشم، طبعا أجابتها بما يشبع فضولها الجائع و المتلهف للاكتشاف، و كأن غيتة كنز من حكايا ألف ليلة و ليلة، تستمتع صفاء في رحلتها داخل عوالمه و ذخائره.

ـ ما تعبير هذا الشكل في الوشم يا غيتة؟

ـ إنه مربع متواز الأضلاع مائل إلى أعلى. له بداية و نهاية. يبقى مفتوحا لاحتمالات جديدة. العملية بين فعلين/ قنّ، يعني افتحْ، و رزمْ، و تعني اقفل. لاحظي زواياه بدوائر صغيرة تختمه. الحياة هكذا يا صافء، نفتح و نغلق ملفتها. أظن أنني أغلقت موضوعها و طلباتها. لم تعد لي رغبة في جديدها.

حينها، تلقت صفاء الجواب بِصَمْت. لم تُعلّق على ما سمعت. الجرح غائر في الفؤاد قبل أن يكون منقوشا و محفورا على جلد الزمن و جسده. اكتفت بعد دقيقة أو أكثر أو أثل بسؤال حول مَنْ و متى تم نقش هذا الوشم. كانت عيشة هي التي قامت بنقشه فوق أصبع أختها غيتة، سنتان بعد طلاقها الذي لا تريد أن تفتح موضوعه حينها.

Commenter cet article