ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جلس الثلاثة على سطح المقهى بالشارع الكبير المؤدية طريقه الى مدينة بوزنيقة... تبادل الجمع الحديث عن المدينة والصيف وازدحام
المرافق بها... قدم يوسف كل طرف للآخر....انتقل الحديث عن اوربا،وعن آخر زيارة لعبد العزيز الصافي لها... كان لقاء حول حوار الاديان ،ذهب فيه
عبدالعزيز ممثلا لجامعته،مادام تخصصه هو علم الاديان المقارن... احتضنت اللقاء مدينة روما الايطالية.... تكلف في مداخلته بتبيان دور الاسلام في نهضة اوربا العلمية خلال القرن 15 و 16 م... لام يوسف
صديقه عبدالعزيز على عدم زيارته بسويسرا.... كان العتاب لتجديد أواصر الصداقة التي تغيب كل واحد منهما لمدة السنة تقريبا،مادام اللقاء يتجدد في الصيف... تحول النقاش الى محور اللقاء:
توجه يوسف للاستاذ عبد العزيزبالكلمة:
ـ مارسيل باختصار،يتساءل عن سبب اشتراط الاسلام في زواج غير المسلم بمسلمة؟ لقد تفهم الامر،لكن هذه مناسبة أخرى ليرى رأي استاذ
جامعي متخصص في الموضوع. وما دمت صديقا مقربا، كانت المناسبة هي هذه لمناقشة المسالة. ما رايك؟؟
ـ طيب ، الظاهرة منتشرة جدا. وانا ارى المسالة ازمة قيم يعيشها المجتمع المغربي.من حقك يا مارسيل ان ترفض المعادلة.فالاسلام ينطلق
من كونه المرجعية الصحيحة في التدين،باعتبار الاسرة الدينية التي ينتمي اليها.هو يريد ان يصحح مسار هذه الاسرة. لقد أخذ الشرعية لطرحه منذ 15 قرنا مضى وليس اليوم.هو عهد بين الاديان ماخوذ منذ ظهورها
كالعهد بين الاخوة قبل ظهور الاحفاد والاسباط وتحول الظروف بين الاجيال... منذ 15 قرنا،كانت الانسانية في أزمة عقيدة أثرت على تاريخها في جميع المجالات،حتى أصبح الظلم يمارس باسم الدين ورجال
الدين.وهنا كان ناقوس الخطر الذي اسرع في ظهور ومجيء الاسلام...
مادام دينا للمستضعفين والفقراء والمساكين والمحرومين والمظلومين ومهضومي الحقوق، فرادى وجماعات... أخذ الشرعية في خطابه،مثلما
تاخذها الاتجاهات الماركسية على مسار القرن العشرين وما بعده... ولا تنس ان الماركسية كسبت شرعيتها الواعية داخل الدول الاوربية التي عرفت المسيحية والراسمالية بعد مرحلة الاقطاع... ما عداها تجارب
متباينة مع الواقع سواء في آسيا او داخل الدول الاسلامية...
مارسيل مستفسرا: ـ
ـ لماذا ميزت بين الغرب والآخرين في موضوع الماركسية..؟ اريد ان افهم....
ـ الماركسية نتاج صراع المتناقضات،صحيح؟اذا هي نتاج ورد فعل على واقع ديني متخلف مع الكنيسة وصكوك الغفران... مع المسيحية.. لذلك
تحدث ماركس عن افيون الشعوب... هي نتاج ورد فعل على واقع اقتصادي طبقي واستغلالي لازال يجتر تخلف القرون الوسطى معه... هكذا جاءت الماركسية واقعية في طرحها البدائل المناسبة للمجتمعات الغربية.. اما
فيما يخص بلداننا،كان يلزمها الوقت للتجذر والتفاعل مع الواقع لتنتج مماثلا لها في التغيير داخل مجتمعاتنا... تصور ان ماركس مثلا،راى في الهند والجزائر ضرورة الاستعمار لقلب نمط الانتاج،ولتشكيل طبقات
برجوازية وبروليتارية،حتى يتسنى لمعادلة الصراع الطبقي ان تتجذر،وحتى يتسنى للفكر الماركسي والاشتراكي ان يجد الشرعية في التطبيق داخل هذه المجتمعات... وها هي نتائج الاستعمار قد ظهرت،وما تحققت مقولة
ماركس في التغيير... الذي يؤسف له ان ماركس العالم والمفكر والفيلسوف،كان واقعيا قابلا لتغيير آرائه واطروحته بحسب معطيات الواقع المتجددة... لكن اتباع الماركسية قدسوا النظرية واصبحت دينا ماديا
مفروضا بالقوة على الواقع،ولو كان هذا الدين اعمى لا يرى الوان الواقع ولا حجمه.. لينين كان واقعيا،كَيَف النظرية مع الواقع،لهذا وجدنا الماركسية اللينينية،لكن الصراعات الداخلية والخارجية
مستمرة،تضغط على الفكر ،فيتوحد ويتصلب ولا يغير من آلياته خوفا على هدم بنائه العام... هذا ما وقع...
مارسيل: ـ
تجربة ستالين عيبت الماركسية والفكر الماركسي...،صحيح. نفس الانتقاد قمنا به في فرنسا. لكن القيم والمبادىء الماركسية عالمية
وانسانية،تتوافق مع ما اشرت اليه من محاربة الظلم والبحث عن العدل والمساواة ومحاربة الاستغلال.... كما في الاسلام... المأزق والفارق بين الاسلام والماركسية في قبول او رفض وجود عالم آخر،غيبي،حياة
اخرى....
عبد العزيز الاستاذ الجامعي:
ـ صحيح،هي مسالة تصبح حساسة ومعقدة اذا اردنا إثبات الحقيقة فيها.لكنني ارى الحلقة الاساسية هي فكرة وجود الله.هل هو موجود او غير
موجود؟؟؟ حينئذ،يسهل التعامل مع الفكر الغيبي بحقائقه وخصائصه...
عبد العزيز مستمرا في الحديث: ـ
الزواج ميثاق ترابط بين رجل وامراة... والميثاق له اسس دينية تنظمه في الاسلام... اذا تناولنا السؤال بداية هذه المناقشة سيكون
الرجل لا يؤمن بالله ،والمراة تؤمن بالله مثلا.
الاشكال ليس انساني محض،بل هو ثقافي وقانوني واقتصادي وحضاري وتربوي واخلاقي. بنيت المفارقات فيه منذ قرون وقرون.. وتصور كل هذه
العقد التاريخية فجرناها في بيئة بنية صغيرة،والتي هي مؤسسة الاسرة.فجرناها في تربية الاطفال.ليس بداعي الحرية في الاعتقاد سنجني على الاطفال،العقيدة حب كذلك،والحب سيمزق يوما العلاقات مع الوالدين..
من هذا الجانب النفسي يخاف الاسلام على علاقة الاولاد بالوالدين، يريدها منسجمة لانها مرتبطة باستقرار العقيدة جيلا بعد جيل... هذا ما يجب ان يكون، لكن الواقع،هناك تقارير هذه السنة تتحدث في المغرب
عن عمليات تنصير واعتناق للمسيحية وصلت الى اربعة آلاف سنويا... ومغاربة جمعوا كل المتناقضات بين سكر وصلاة،ورشوة وفضيلة.. مغاربة بَيَضوا القيم كما بيضوا اموال المخدرات.. زواج ابيض،عرس ابيض،اسلام
ابيض... سخافة مضحكة لنا نحن المغاربة.. المشكل الا وجود لقناعات،بل مصالح مادية داخل هذه المتناقضات،براغماتية بشعة، وعبث في عبث....
يوسف: ـ قرات خبرا لطيفا هذا الصباح. زواج امام مسجد بايطاليا من كاثوليكية،واتفاق على احياء العرس والحفل بالمغرب.. وفي تصريح للطرفين التزما باحترام عقيدة كل واحد
الاخروعبادته .. واتفاق على حياة زوجية مستقرة بشروط متبادلة فيها اشارة لتعايش الاديان والتسامح بينها.... فكيف نزاوج بين الاديان السماوية؟؟
الاستاذ عبد العزيز الصافي: حوار الاديان وحوار الحضارات في اللقاءات والمؤتمرات... نشر قيم السلم والتعايش والتسامح والتعارف والايمان بالاختلاف.يقول
تعالىL( يايها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم...). صدق الله العظيم.
يوسف : ـ ما الذي تقترحه على مارسيل يا استاذ؟
الاستاذ: لاشيء.حريته اولا.اختياره اولا. لايمكنني فرض شيء عليه.حلول الواقع كثيرة،لكنها ليست مقنعة( إنك لا تهدي من احببت ولكن
الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين) صدق الله العظيم.
قد اقترح عليك يا مارسيل مصاحبة الله والتعرف عليه،وسعة خاطر وبال في الرحلة الى عالمه...
مارسيل: مرحبا به كصديق،اين هو؟
الاستاذ: الطريق سهل وصعب في آن واحد،بحسب الاستعداد يا مارسيل،وبحسب الرغبة النفسية فيه... ساحيلك على قراءات شعرية وفلسفية
بالفرنسية لمتصوفة في رحاب الله والايمان والعالم العلوي... ربما تحبها،اكيد انها ستغذي روحك ونفسك...
مارسيل: اتمنى ذلك.
عبدالعزيز: طيب ، ستجدها عند يوسف بعد يومين،واشكركما على هذا اللقاء.. في الحقيقة سافرت في وجداني وايماني معكما.. دعونا الآن نفكر في تناول وجبة شواء شهية خارج المدينة.. ما
رايكما؟؟
ـ بالرحب والسعة.. علق يوسف
مارسيل: يبدو ان سفري اصبح روحيا الآن وثقافيا...
عبد العزيز
معلقا ومبتسما: ما اجملها رحلة مارسيل،ستشكرني على هذا العالم الذي ستكتشفه وتسافر
فيه.. ستدخل الى دائرة انسانية فريدة في كل بقاع العالم.. كم من غربي اصبح من رواد هذا العالم... اترك لك فضول الاكتشاف اولاوبعد ذلك تنخرط في هذه الدائرة الجديدة.... طيب انا عازمكم لأكلة كباب وشواء
بمدينةبوزنيقة. مرحبا بكما...